التوحّد عند البالغين: اختلاف عصبي يصطدم بنظرة مجتمع واحدة!
التوحّد عند البالغين حالة عصبية غير مرئية غالبًا، تظهر في صعوبات التواصل والقلق الاجتماعي والتمسك بالروتين، وتزداد تعقيدًا لدى النساء بسبب إخفاء الأعراض، فيما تبقى الإشكالية الأساسية في نظرة المجتمع وعدم تقبّله للاختلاف.
التوحّد عند البالغين ليس حالة هامشية ولا سلوكًا غريبًا طارئًا، بل هو اختلاف عصبي عميق يؤثّر في طريقة فهم العالم والتفاعل معه، وغالبًا ما يبقى غير مرئي بسبب الصور النمطية السائدة في المجتمع. يعاني كثير من البالغين المصابين بالتوحّد من صعوبة في قراءة مشاعر الآخرين أو تفسير نواياهم، ما يجعل التفاعل الاجتماعي مصدر توتر وقلق دائمين، وقد يدفعهم إلى تجنّب العلاقات أو الاكتفاء بدوائر ضيقة جدًا من التواصل.
كما يظهر التوحّد في الميل إلى الصراحة المباشرة وأخذ الكلام بمعناه الحرفي، وهو ما قد يُساء تفسيره على أنه جفاء أو وقاحة، بينما هو في الحقيقة اختلاف في أسلوب التواصل لا أكثر. ويضاف إلى ذلك التعلّق الشديد بالروتين اليومي، والحساسية العالية تجاه الأصوات أو الروائح أو التغيّرات المفاجئة، إلى جانب الاهتمامات العميقة والمكثفة بمواضيع محددة تمنح صاحبها شعورًا بالأمان والسيطرة.
وتزداد الصورة تعقيدًا عند النساء المصابات بالتوحّد، إذ تُجبر كثيرات منهن، بفعل الضغوط الاجتماعية، على إخفاء علامات الاختلاف منذ سن مبكرة، عبر تقليد السلوكيات الاجتماعية السائدة وكبت المشاعر الحقيقية.
هذا “الاندماج القسري” قد يجعلهن يبدون أكثر تأقلمًا ظاهريًا، لكنه غالبًا ما يؤدي إلى إرهاق نفسي عميق وتشخيص متأخر أو خاطئ، حيث تُفسَّر معاناتهن على أنها خجل، اكتئاب، أو حساسية مفرطة.
هنا تتجلّى الإشكالية المجتمعية بوضوح: فالمشكلة ليست في التوحّد ذاته، بل في مجتمع يرفض الاعتراف بالتنوّع العصبي، ويقيس القيمة الإنسانية بمدى الانسجام مع معايير سلوكية واحدة. إن غياب الوعي والدعم يحوّل الاختلاف إلى عزلة، ويجعل كثيرين يعيشون شعورًا دائمًا بعدم الانتماء، بينما المطلوب هو إعادة تعريف “الطبيعي” بوصفه مساحة واسعة تتّسع للجميع، حيث يُنظر إلى التوحّد لا كخلل يجب إخفاؤه، بل كطريقة مختلفة – ومشروعة – في أن تكون إنسانًا.


