طارق آل ناصر الدين في ذمّة الشعر العربي!

ننعى رحيل الشاعر اللبناني طارق آل ناصر الدين، أحد أبرز الأصوات التي جعلت من الشعر موقفًا ومن اللغة هوية، تاركًا إرثًا شعريًا وثقافيًا راسخًا.

فبراير 5, 2026 - 12:12
 0
طارق آل ناصر الدين في ذمّة الشعر العربي!

ننعى إلى الوسط الثقافي والأدبي، وإلى الأمة العربية، رحيل الشاعر الكبير طارق آل ناصر الدين، أحد الأصوات الشعرية التي جعلت من اللغة وطناً، ومن القصيدة موقفاً، ومن الانتماء فعلاً لا يُساوَم عليه. برحيله، يخسر الشعر العربي واحداً من شعرائه الذين لم يكتبوا خارج قضايا أمتهم، ولم يروا في الحداثة قطيعة مع الجذور، بل امتداداً واعياً لها.

كان شاعراً غزير الإنتاج، كتب الشعر الموزون والحر، والنثر، والزجل، والمحكية، من دون أن يقدّم تنازلاً لذائقة عابرة أو نقدٍ مسيّس. آمن بأن الشاعر لا يستطيع تطوير لغته وفكره خارج انتمائه، ولذلك واجه الحداثة الوافدة بحداثةٍ مقيمة، وقاوم التغريب بالتعريب، مدافعاً عن اللغة بوصفها هوية لا مجرّد أداة تعبير.

وُلد طارق آل ناصر الدين عام 1943 في كفر متى جبل لبنان، وينتمي إلى عائلة الأمراء التنوخيين. برز مبكراً في الخطابة والشعر، فترأس الجمعية الخطابية في مدرسته وهو في الثانية عشرة من عمره، وحاز المرتبة الأولى في مباريات الشعر والخطابة عند دخوله كلية المقاصد في بيروت. ومن بوابة فاطمة في أقصى الجنوب إلى وادي خالد في أقصى الشمال، وقف على منابر المقاتلين والصامدين، داعياً إلى وحدة الوطن وعروبته وسلامه الداخلي، متحمّلاً كلفة موقفه، وقد تعرّض أكثر من مرة لمحاولات اغتيال.

ترك ستة دواوين شعرية مطبوعة، وحضوراً ثقافياً فاعلاً كمستشار ومؤسّس ورئيس لعدد من الهيئات والمنتديات الثقافية، وكان من الأصوات التي أدخلت الشعر في نسيج السياسة الوطنية والقومية من دون أن تفقد القصيدة جمالها أو بعدها الإنساني.

عشق المنابر والخطابة والغناء، لأنّه  كما كان يقول ينتمي إلى أمةٍ ما زال قرآنها يُرتّل ترتيلاً، وما زال جرس كنائسها يسبقها إلى الصلاة. آمن بالحداثة إيمانه بالشعر نفسه، وبدأ كتابة شعر التفعيلة منذ ستينيات القرن الماضي، لكنّه حين اشتدّت الهجمة الثقافية الغربية على اللغة والهوية، عاد إلى التراث لا نكوصاً، بل دفاعاً واعياً، مؤكداً أن الحداثة تبدأ بالذات قبل الموضوع، وتُعمّق الانتماء ولا تستبدله

وبرحيله، لا يخسر الشعر شاعراً فحسب، بل يخسر نموذجاً نادراً لشاعرٍ رأى في اللغة أقصى ما يبلغه الوجدان، وفي الشعر آخر حصون الهوية.