هل يدعم العمل عن بُعد النساء أم يبعدهن عن الترقية؟

هل منح العمل من المنزل المرأة حرية أكبر أم حمّلها أعباء جديدة؟ تحقيق اجتماعي يرصد تأثير العمل عن بُعد على النساء بين المرونة، العزلة، وفرص التقدّم المهني.

يناير 14, 2026 - 13:53
 0
هل يدعم العمل عن بُعد النساء أم يبعدهن عن الترقية؟

 

اعداد : هناء بلال 

لم يكن العمل من المنزل مجرد تغيير في مكان أداء الوظيفة، بل كان انتقالًا عميقًا في شكل الحياة نفسها. فجأة، صار المطبخ مكتبًا، وغرفة الجلوس قاعة اجتماعات، وبين رسالة عمل وطبق يُحضَّر، وجدت كثير من النساء أنفسهن يؤدين أدوارًا متعددة في الوقت ذاته. بالنسبة لبعضهن كان الأمر خلاصًا من ضغط المواصلات وضيق الوقت، وبالنسبة لأخريات كان بداية لإرهاق صامت لا يُرى.

فهل منح العمل عن بُعد المرأة مساحة أوسع لتنظيم حياتها؟ أم أعاد إنتاج أعباء قديمة بصيغة عصرية؟

مرونة مغرية… وحدود ضبابية

في البداية، بدا العمل من المنزل حلما مؤجلا تحقق فجأة. وقت أقل في المواصلات، حضور أكبر مع العائلة، وإمكانية توزيع اليوم بما يناسب إيقاع الحياة. كثير من النساء شعرن بأنهن أصبحن أكثر تحكما بوقتهن، وأكثر قدرة على التوفيق بين العمل والمسؤوليات المنزلية.

لكن هذه المرونة نفسها بدأت تتآكل مع الوقت. فالبيت لم يعد مساحة راحة فقط، بل تحوّل إلى مكتب دائم، بلا أبواب تُغلق ولا ساعات تنتهي. تقول سارة
“أحب العمل من المنزل، لكنه يجعلني أوزّع نفسي طوال اليوم بين العمل والبيت، وفي النهاية أشعر أنني لم أنجز أيا منهما كما يجب”.

حين يغيب المكتب… ماذا يخسر العمل؟

لا يقتصر العمل على المهام والرسائل، بل يشمل العلاقات، التفاصيل الصغيرة، واللحظات التي تصنع الشعور بالانتماء. غياب المكتب يعني غياب النقاشات العابرة، التشجيع المباشر، وحتى الإحساس بأنك جزء من فريق حيّ.

تقول هنادي "أثناء عملي من المنزل بات زوجي يعتبر ان دوري هو ربة منزل واي تقصير في الاعمال المنزلية يربطه يتواجدي الدائم في المنزل وانه باستطاعتي انجاز مختلف الاعمال.. هو لا يعلم ان العمل عن بعد هو التزام بدوام العمل حتى لو لم اتواجد مكانيا "

وتشير تحليلات حديثة إلى أن العمل عن بعد قد يضعف بناء العلاقات المهنية، خاصة للنساء، إذ يصبح “الظهور” أقل وضوحا، وتغيب الكاريزما التي تُبنى عبر التفاعل الإنساني اليومي.

عبء غير متكافئ داخل البيت

أظهرت دراسات حديثة أن النساء العاملات من المنزل يواجهن صعوبة أكبر في الفصل بين العمل والأسرة مقارنة بالرجال. فالتوقعات الاجتماعية لا تزال تفترض أن المرأة “متاحة” لشؤون البيت، حتى خلال ساعات العمل.

في المقابل، أبلغ كثير من الرجال عن قدرتهم على حماية وقت العمل بشكل أفضل، ما يسلّط الضوء على مشكلة أعمق: العمل عن بعد لا يكون منصفا إلا إذا ترافق مع توزيع عادل للأدوار داخل الأسرة.

مساحة أمان… ولكن

رغم التحديات، أتاح العمل من المنزل لبعض النساء حماية غير متوقعة من التمييز المباشر. فقد أظهرت أبحاث أن النساء العاملات عن بعد أقل عرضة للتعليقات والسلوكيات التمييزية مقارنة ببيئات العمل الحضورية.

لكن هذه الحماية قد تتحوّل إلى عزلة. فقلة التفاعل قد تضعف الثقة بالنفس، وتحدّ من الجرأة على المشاركة، خاصة لدى النساء اللواتي يعانين أصلا من ضعف التمثيل في مواقع القرار.

تقول ليا :
“العمل من المنزل يشعرني بالأمان، لكنني أقل مشاركة. أفضل الاستماع بدل طرح أفكاري، لأنني لا أشعر بالثقة الكافية”.

وماذا عن الترقية؟

هنا تظهر المفارقة. فبينما يخفّ التمييز الظاهر، تشير تقارير إدارية إلى أن فرص ترقية النساء العاملات عن بعد لا تزال أقل، لأن كثيراً من القرارات تعتمد على الحضور، والمشاركة اليومية، والظهور المستمر داخل المؤسسة.

تجربة معقّدة… بلا إجابة واحدة

العمل من المنزل ليس خلاصا مطلقا ولا فخا كاملا. هو تجربة متعددة الأوجه، تمنح النساء حرية من جهة، وتضعهن أمام تحديات جديدة من جهة أخرى:
بين الراحة والعزلة،
بين المرونة والاستنزاف،
وبين الأمان والتراجع المهني.

وفي النهاية، لا يتعلّق الأمر بمكان العمل فقط، بل بقدرتنا كمجتمع على بناء بيئة عادلة، تعترف بجهد النساء، وتعيد التفكير في توزيع الأدوار، سواء كان المكتب داخل البيت… أو خارجه.