كيف يقتل الإفراط في التواضع هيبة الإنسان؟
يمكن أن يتحوّل التواضع من فضيلة إلى سبب لفقدان الهيبة؟ قراءة عميقة في مقولة جلال الدين الرومي تميّز بين التواضع القلبي المشروع والسلوك الذي يُساء فهمه حتى يصبح ضعفًا.
ينصح جلال الدين الرومي بقوله:«لا تُسرف في التواضع»
ويبرّر ذلك بأن الإفراط فيه قد يدفع الناس إلى تجاوز حدودهم معك. وهي حكمة عميقة تحتاج إلى شيء من التفصيل حتى لا يُساء فهمها.
التواضع، في أصله، محلّه القلب قبل السلوك.
وهو يتجلّى في أمرين جوهريين: ألّا يرفض الإنسان الحقّ أبدًا (عدم بطر الحق)
وألّا يحتقر أحدًا من الناس أبدًا (عدم غمط الناس).
وهذا هو جوهر التواضع الحقيقي، تواضع لا يقبل النقص ولا يقبل الزيادة، لأن ذرة واحدة من الكِبر تُفسده، كما أن التواضع الصادق لا يُقاس بظاهر الأفعال وحدها. لذلك، فالتواضع القلبي لا يُتصوَّر فيه الإسراف.
بعد استقرار التواضع في القلب، ينعكس بطبيعة الحال على السلوك:
في المشي، والكلام، والنظرات، والتعامل مع الناس.
فلا يختال في مشيته، ولا يتفاخر بما آتاه الله.
لكن هنا يقع الخلط الشائع.
عدم الاختيال لا يعني الذل،
وخفض الصوت لا يعني السكوت عن الظلم،
وترك التفاخر لا يعني إنكار الكفاءة أو إخفاء المهارات عند الحاجة.
فالقاضي قد يُطلب منه الجهر بالصوت لإقامة العدل،
والشاب قد يُطلب منه الثبات والقوة في الموقف،
والمتقدّم لوظيفة لا يُعدّ متكبّرًا إذا عرض مؤهلاته ومهاراته بوضوح،
بل حتى ذكر الإحسان قد يكون واجبًا إن ترتب عليه حق أو مصلحة.
وهنا تتضح دقة كلام الرومي:
فهو لا يقصد التواضع القلبي، بل السلوك الذي يُسمّى تواضعًا على سبيل التجوّز.
سلوك تحكمه الظروف، وتضبطه الضرورات، وتقيّده المحظورات.
فإذا تهاون القاضي في هيبته باسم التواضع، فقد أسرف.
وإذا أظهر الرجل الضعف والخنوع ظنًّا منه أن ذلك تواضع، فقد أسرف.
وإذا خضعت المرأة بالقول أمام الرجال معتقدة أن هذا تواضع، فقد أسرفت.
ليس من التواضع في شيء أن يُظهر الإنسان ضعفه فيجترئ عليه الناس.
التواضع الحقيقي يسكن القلب،
فإذا سلم القلب من آفة الكِبر،
لم يكن ما تفعله الجوارح كِبرًا، مهما بدا قويًّا أو حازمًا.
املأ قلبك تواضعًا،
ثم تصرّف أمام الناس بحسب الحاجة، وبحسب المقام، وبحسب الظرف .


