ليست كل أم صالحة للتربية !

تحقيق اجتماعي جريء يناقش دور الأمومة الحقيقي في صناعة الإنسان، ويكشف كيف ينعكس الخلل التربوي داخل البيت على المجتمع، بعيدًا عن الصورة المثالية للأم.

يناير 6, 2026 - 14:38
 0
ليست كل أم صالحة للتربية !

لا تبدأ حكاية المجتمع من المؤسسات ولا من القوانين، بل من مكان أبسط وأكثر خطورة: البيت. وتحديدًا من الأم، التي لا تُنجب طفلًا فقط، بل تضع اللبنات الأولى لشخصية إنسان سيخرج يومًا إلى الفضاء العام، حاملًا ما زرعته فيه من قيم أو فراغات. فالأمومة، بعيدًا عن الخطاب العاطفي، هي عملية تشكيل بطيئة وعميقة للإنسان، غالبًا ما يُستهان بها، رغم أن نتائجها لا تُمحى.

يولد الطفل صفحة بيضاء، بلا ذاكرة ولا قناعات ولا تصورات عن الخير والشر. في أيامه الأولى، لا يعرف العالم إلا من خلال أمه: صوتها، نظراتها، طريقة لمسها، انفعالاتها، وحتى صمتها. ومع كل تفاعل بسيط، تُكتب سطور غير مرئية في وعيه، تشكّل لاحقًا منظومة سلوكه وأسلوب تعامله مع الحياة. هنا تبدأ الأمومة بوصفها فعلًا تربويًا لا يقل خطورة عن أي مشروع اجتماعي أو ثقافي.

ورغم شيوع فكرة أن الأمومة غريزة فطرية، إلا أن الواقع الاجتماعي يثبت أن الغريزة وحدها لا تكفي. فالأم التي تفتقر إلى الوعي التربوي قد تنقل إلى طفلها قلقها وخوفها واضطرابها الداخلي دون أن تشعر. الأمومة ليست حملًا وولادة فقط، بل مسؤولية معرفية وسلوكية تبدأ منذ لحظات الحمل الأولى، حيث تؤثر الحالة النفسية للأم وطريقة تفكيرها في تكوين الطفل، وتستمر في سنوات التربية الأساسية التي تُحفر فيها الملامح الجوهرية للشخصية.

في البيوت، تُختبر الأم يوميًا في معادلة دقيقة بين الحنان والانضباط. كثير من الأمهات يخلطن بين الرحمة والتساهل، فيكبر الطفل وهو يعتقد أن الخطأ بلا عواقب، وأن الحب يعني الاستسلام لكل رغبة. في المقابل، تقود القسوة المفرطة إلى كسر الثقة وتوليد الخوف والعدوانية. التربية المتوازنة، كما يؤكد الاختصاصيون، لا تقوم على الإفراط أو التفريط، بل على احتواء الطفل مع وضع حدود واضحة، تحميه من نفسه قبل أن تحمي المجتمع منه.

ولا يتعلّم الطفل من النصائح بقدر ما يتعلّم من السلوك. فالأم، من حيث تدري أو لا تدري، تتحول إلى نموذج حي يُقلَّد. طريقة كلامها، أسلوب تعاملها مع الأب، انفعالاتها عند الغضب، نظرتها إلى الحياة، وحتى تصرفاتها اليومية البسيطة، كلها تُخزَّن في عقل الطفل كنماذج جاهزة يُعيد إنتاجها لاحقًا. الطفل لا يملك القدرة على تحليل هذه التصرفات أو تفكيكها، بل يتلقاها كحقيقة كاملة، ويعممها على العالم من حوله.

وتشير الدراسات الاجتماعية إلى أن تأثير الأم النفسي والأخلاقي غالبًا ما يكون أعمق من تأثير الأب، خاصة في السنوات الأولى. فقد تستطيع أم متزنة أن تحمي طفلها من آثار بيئة مضطربة، بينما قد تفشل بيئة مستقرة في حماية طفل يعيش مع أم تعاني من قلق مزمن أو اضطراب عاطفي. هنا يتضح أن الأم ليست عنصرًا ضمن العائلة فحسب، بل هي مركز التوازن فيها.

ويتضاعف هذا التأثير حين يتعلق الأمر بالبنات. فالفتاة غالبًا ما ترى في أمها صورتها المستقبلية، وتنسخ سلوكها أكثر مما تحفظ نصائحها. الأم التي تتعامل مع حياتها الأسرية بوعي ومسؤولية تزرع في ابنتها استعدادًا إيجابيًا لبناء أسرة متوازنة، بينما تنقل الأم الناقمة أو اللامبالية صورة مشوهة عن الزواج والأمومة، تظل عالقة في الوعي الأنثوي لسنوات طويلة.

ومع كل ما سبق، يبقى السؤال الأكبر مطروحًا: ماذا يحدث عندما تُهمَّش الأمومة اجتماعيًا، ويُختزل دور الأم في الوظائف البيولوجية أو الشكلية؟ التجارب تثبت أن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل من الداخل، حين يختل ميزان التربية، ويُترك الطفل ليكبر بلا قدوة واضحة أو قيم ثابتة. فحين تمرض الأم، لا يمرض البيت فقط، بل المجتمع بأسره، ولو بعد حين.

الأمومة ليست خطابًا إنشائيًا ولا صورة مثالية تُستدعى عند الحاجة، بل مسؤولية تاريخية يومية، تبدأ من الوعي وتنتهي بصناعة الإنسان. وبين القداسة التي نُسبغها على الأم نظريًا، والواقع الذي نمارسه عمليًا، تقف أجيال كاملة على المحك.