الأمن الليلي والجرائم في بيروت... هل ما زالت العاصمة مدينة "آمنة"؟
تحقيق معمّق يرصد تحوّلات الأمن الليلي في بيروت بالأرقام والشهادات، من تراجع الأمان وانتشار “الأمن الأهلي” إلى تأثير ذلك على الشباب والهجرة، مع قراءة سياسية–اجتماعية وحلول مقترحة.
كتب علي ضاحي في "الديار":
بعد منتصف الليل تتبدّل بيروت. ليست المدينة نفسها التي عرفها السامرون قبل عقد. اليوم ثمة بروتوكولات جديدة للسهر: أوقات مغادرة أقصر، طرق محددة للعودة إلى البيت، أعينٌ تتقرّبُ من الضوء ولا تثق بالظلال. السؤال هنا لا يقتصر على "كم جريمة حدثت"، بل على كيف تغيّرت بنية الحماية، من مؤسسات إلى مجتمعات صغيرة، وعلى أثر هذا النقل في سلوك الناس ورغبتهم ـ خصوصاً الشباب ـ في البقاء أو الهجرة.
قراءة بالأرقام
وفي إحصاءات حديثة العهد، يظهر مؤشر الجريمة العام أن السلامة أثناء المشي نهاراً ما تزال أعلى بكثير من السلامة أثناء الليل (مؤشرات نهارية تقارب 73 نقطة مقابل نحو 49–54 نقطة لليل على مقياس 0–100).
وتظهر بيانات متفرقة لعام 2024 تسجيل حوالى 153 جريمة قتل و2782 حالة سرقة على مستوى لبنان.
وسجل الربع الأول من 2025 ارتفاعاً نسبياً في جرائم القتل مقارنة بالفترة نفسها من 2024، مع تغيّر في ديناميات السرقات (انخفاض سرقات السيارات، ارتفاع السرقات البسيطة في بعض الأشهر). هذه التقلّبات تعكس أن التهديدات ليست ثابتة، وتحتاج قراءة تفصيلية حسب الفئة والمنطقة.
وفي فترات محدّدة نفّذت قوى الأمن خططًا أدت إلى خفضٍ مؤقت في بعض أنواع الجرائم، ما يدلّ على أن التدخّل المنظّم يعطي نتائج قابلة للقياس، لكن الاستدامة مرتبطة بقدرة الدولة على الحفاظ على هذه الحملات.
وتشير ارقام رسمية الى ان السرقات العامة والنشل سجلت ارتفاعاً طفيفاً بعد 2019 ، مع فترات هبوط عند حملات أمنية مركزة (2023–2024)، وارتفاع جديد في 2025 في بعض الفترات، خصوصاً سرقات الجيوب والحقائب في مناطق انخفضت فيها الحركة الليلية.
وشهدت سرقات السيارات تقلصاً في بعض فترات 2025 مقارنة بالعام السابق، نتيجة حملات استهداف شبكات سرقة متخصصة، لكن ما زالت مشكلة في مناطق وقوف غير آمنة.
اما جرائم القتل والعنف الشديد فنسبتها متغيرة ، حيث شهدت ارتفاعاً نسبياً في بعض فترات 2025 مقارنة بالعام السابق، وهو مؤشر يتطلب متابعة وتحليل أسباب (سلاح منتشر، نزاعات داخلية، ضغط اجتماعي).
شهادات نهاراً وليلًا
على الارض الامور قد تكون غامضة، "الديار" استطلعت آراء بعض "البيارتة". فيقول مروان وهو صاحب مقهى في الحمرا ويفتح نهاراً وليلاً: "النهار مزدحم، والرواد من السياح والطلاب والعمال. بعد العاشرة مساء الناس يقصرون سهرهم، ويعودون الى منازلهم. ويختم: "رغم ذلك، تبقى الحمرا نسبياً أكثر أمانا لوجود حركة اقتصادية مستمرة، لكن الحذر الليلي واضح".
وتلفت ليلي وهي موظفة في الأشرفية: "أنا اعمل ليلا أحيانا، ولكن اختار في طريق العودة الى المنزل طريقاً محدّداً". وتلفت الى "ان الاشرفية تبقى اقل خطراً من المناطق الاخرى، وهنا الناس تعرف بعضها".
في المقابل، يؤكد شاب من الطريق الجديدة انه "بعد الساعة العاشرة مساء الحي يهدأ بسرعة، الدراجات بتزيد، والأعراس والخلافات الصغيرة صارت أكثر".
اما منى وهي بائعة في متجر معروف فتقول: "نسمع عن حالات نشل وسرقات، ولكنها ليست كثيرة".
"الأمن الأهلي" بدل الدولة!
بات في لبنان وخصوصاً في العاصمة بيروت، ينتشر الامن "الخاص" او "الذاتي"، او ما يعرّفه خبراء الامن بـ "الاهلي". وفي كثير من الأحياء، لم يعد "الحضور الأمني" حكراً على الدولة، توجد ثلاث آليات بديلة أو مكمّلة تظهر بوضوح:
1- الرقابة الاجتماعية الذاتية: جيران يراقبون، مجموعات واتساب للحيّ، وسرّية تبادل أرقام عند الخروج ليلاً. هذا النوع من الأمن أقل تكلفة، لكنه هشّ إذا فُقد ركيزته الاجتماعية.
2- الاستعانة بالفعاليات والأمن الخاص: محال وكافيهات توظّف حراساً، والبلديات أو التجمعات التجارية تُنظّم دوريات مدفوعة أو تركيب كاميرات.
3- التدخّل الحزبي - العائلي: في بعض الأحياء يحلّ نفوذ حزبي أو عائلي مكان الدولة، ما يخلق حماية مشروطة ومنطقا اجتماعيا للتعامل مع "المرتكب".
هذه البديليات ليست سيئة بحد ذاتها، لكنها تعكس استبدالاً جزئياً للوظيفة العامة، وظيفة لا يمكن أن تكون بديلاً دائما للدولة في منظومة حقوق المواطنين. في الأحياء التي تملك موارد اقتصادية أو شبكية، يكون الأمن الأهلي أكثر فعالية، وفي الأحياء الضعيفة، يتحوّل الفراغ إلى مخاوف ليلية. هذا التحوّل يضرب مبدأ المساواة في الأمان.
الشباب والهجرة الليلية
النيّة بالمغادرة بين فئة الشباب عالية، استطلاعات رأي حديثة تُظهر أن أكثر من نصف الشباب (18 ـ 29) يفكّرون بجدية بالهجرة لأسباب اقتصادية واجتماعية، ومع ضِعف الأمان الليلي يزداد عامل الضغط النفسي، الذي يدفع بعضهم إلى الرحيل أو لتغيير أنماط حياتهم الليلية.
ويرتبط تراجع الحياة الليلية وشح الفرص وعدم الشعور بالأمان في المدن بالثقة، فإن اختفى السهر، فقدت المدينة قدرا من جاذبيتها للشباب، وهو ما يسرّع قرارات الهجرة أو الانتقال للضواحي أو خارجه.
ماذا يعني كل هذا سياسياً واجتماعياً؟
ووفق خبير في العلوم الاجتماعية، فان كل ما تقدم "يعني ان من يملك موارد يشتري أمنه، ومن لا يملك يشتري الهجرة، أو يقبل التحجيم الحياتي". واشار الى ان "التحوّل إلى أمن أهلي لا يلبّي الحقوق الأساسية، ولا يحلّ محل مؤسسات قوية ومسؤولة وقابلة للمحاسبة".
واكد ان "هجرة الشباب لن تُحلّ إلا بنهج شامل يربط بين اقتصاد وظيفي/، وآليات أمـن عامة تُعيد الثقة".
قراءة امنية
من جهته ، يؤكد مصدر امني لـ"الديار"، ان "هناك خططاً لتعزيز الامن في بيروت وتنظيم حملات أمنية مستدامة ومركّزة على محاور المدينة في المساء، مع "شراكات" بلدية–أمنية واضحة، تقوي الشعور بالوجود والردع". (الأدلة تُظهر أن الحملات قصيرة الأمد تخفّض الجرائم مؤقتا).
واكد انه "يمكن تعزيز الأمن الأهلي المنظم عبر تمويل بلدي، لتركيب إنارة وكاميرات في الأزقة، وإشراك لجان حيّة مدرّبة تعمل بتنسيق مع الأجهزة الأمنية . وكذلك اعداد برامج للعناية بالشباب في المساء، ونشاطات ليلية ثقافية ورياضية توفر بدائل آمنة، وتقلّل من عزلة الشباب وحاجتهم للهجرة الفورية. (ربط أمني – اجتماعي – اقتصادي). وكذلك اعداد نشرات شفافة للأجهزة الأمنية عن بيانات الجرائم شهرا بشهر، لتمكين الصحافة والمجتمع المدني من رصد التغيرات والتدخّل المبكر.
ختاماً، بيروت ليست مدينة مفكّكة أمنياً، لكنها ليست مطمئنة كما كانت، والأمان فيها أصبح سلعة تتوزّع حسب الجغرافيا والقدرة على التحوّل إلى "أمن أهلي". هذا الوضع يولّد تأثيرا سياسياً مباشراً: فقدان ثقة الشباب، تزايد الضغوط على أجهزة الدولة، وارتفاع المخاطر الاجتماعية التي قد تتحول إلى موجات هجرة أو تصعيد أمني، إذا لم تعالَج الجذور الاقتصادية منها ببرامج متكاملة.


