رياض... يا رياض
مقال تحليلي يتناول الجدل الذي أثارته إطلالة حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، مسلّطًا الضوء على الحقائق المالية الأساسية بعيدًا عن السجالات السياسية والشعبوية. يناقش المقال حجم توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان، ديون الدولة، حقيقة الدولارات "الوهمية" و"الحقيقية"، ومسؤوليات الأطراف المختلفة في الانهيار المالي. طرح واضح يعيد النقاش إلى الأرقام بدل الشائعات، ويكشف جذور الأزمة الاقتصادية اللبنانية ومكامن الخلل المزمن.
كتب انطوان فرح في "نداء الوطن":
لا يجوز أن يتحوّل الاقتصاد إلى مادة للتحليل الماورائي، على غرار ما يحصل على المستوى السياسي. ومن غير المنطقي أن تصبح الأوهام أصدق من الأرقام.
إطلالة حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، وما قاله في بعض الملفات، لا تزال تتفاعل على الطريقة اللبنانية المعتادة. ومن الصعب الدخول في الجدل القائم، من دون أن يُصاب المرء بشظايا الاتهامات الجاهزة. وبات الكلام عن هذا الموضوع يُصنف المتدخلين على أساس أنهم أصدقاء للمصارف أو معادون للقطاع.
في الواقع، مثل هذه التصنيفات تنطوي على خفة واستغلال لوجع الناس. والطبيعة البشرية بشكل عام تميل إلى تصديق ما هو غامض، وينطوي على تعقيدات غير مفهومة، وترفض تصديق ما هو واضح وبسيط.
في الإشكالية التي أثارها رياض سلامة، حول مسألة ما دفعه مصرف لبنان للمصارف، وتحوُّل هذا الكلام إلى مادة للتجاذبات والاتهامات والتسالي، لا بد من الترفع عن المهاترات، وطرح الاسئلة التالية:
أولًا- بصرف النظر عمّا دفعه المركزي للقطاع المصرفي بعد الانهيار، هل يغيّر هذا الأمر قيد أنملة في البيانات المالية لمصرف لبنان، والتي تشير إلى أن حجم توظيفات المصارف لديه تصل إلى حوالى 84 مليار دولار؟
ثانيًا- هل يغيّر كل ما قيل ويُقال، في واقع أن الدولة اقترضت حوالى 33 مليار دولار عبر إصدار سندات يوروبوندز، وتعثرت وقرّرت وقف الدفع في آذار 2020، ما دفع البلاد إلى الانضمام إلى لائحة الدول المتخلفة عن الدفع، وهبط تصنيفها الائتماني إلى درجة الإفلاس الاختياري؟
ثالثًا- هل هناك إمكانية للحديث عن دولارات حقيقية ودولارات وهمية، خصوصًا قبل العام 2019، وتصنيف الأموال الدولارية وفق هذا المفهوم؟ ومن هو صاحب الحق في تصنيف الدولارات؟ وما هو دور مصرف لبنان تحديدًا؟ أوليست السلطة النقدية التي يمثلها المركزي، مسؤولة عن المستوى النقدي في البلد؟ أوليس مصرف لبنان هو المسؤول عن تحويل الليرات إلى دولارات والعكس صحيح؟ ألا تجري المقاصة الدولارية في مصرف لبنان، بعدما كانت تحصل في نيويورك؟
رابعًا- هل مطلوبات المصارف من مصرف لبنان (84 مليار دولار)، تراكمت بعد الانهيار أم قبله؟
خامسًا- بصرف النظر من أقرض الدولة أكثر، المصارف أم مصرف لبنان، ألا تخجل هذه الدولة، أو تشعر بالمسؤولية، لأن مصرفها المركزي المسؤولة عنه، والقطاع المصرفي المسؤول عنه مصرفها المركزي، وقعا في «مكيدة» تمويلها، عن صواب أو خطأ، وباتت التهمة التي تُوجّه اليوم إلى الطرفين أنهما وثقا بالدولة؟
لا تكمن المشكلة في كلام رياض سلامة، والأهداف التي سعى إليها عندما قرّر الإطلالة الإعلامية بعد خروجه من السجن، بل في طريقة تفكير البعض، وفي «مصالح» البعض الآخر، وفي الاستغلال الذي يجيده «المصطادون». والأهم، أن المشكلة تكمن في إنكار الحقائق والأرقام، والاعتماد على ما يُثار من غموض غير بناء، لحياكة أساطير يميل الناس إلى تصديقها.
رياض يا رياض. هل كان ينقصنا «الأكشن» في المشهد الاقتصادي، لكي تقرّر أن ترمي حطبة إضافية في الموقد؟


