انكار الواقع لا يبدّده.. أسئلة صعبة و قاسية
كتب : د. علي أحمد مراد
ثمّة مبدأ قانوني راسخ يقول: "البيّنة على من ادعى"، أي أن عبء الإثبات يقع على من يطرح الادعاء. فكل من يطالب بحالة استثنائية، أو يرفض الوضع الطبيعي، عليه أن يُقدّم دليلاً أو على الأقل قرينة تبرّر موقفه. وفي الحالة اللبنانية، لا يحتاج "الوضع الطبيعي" إلى إثبات: احتكار الدولة للسلاح واختصاصها الحصري باستخدام القوة والعنف، داخلياً وخارجياً، هو القاعدة في 193 دولة عضو في الأمم المتحدة، لا بل أكثر من ذلك من عهد نبوخنصر وحمورابي ورمسيس، احتكار العنف من قبل الدولة هو شرط لازم غير مشروط لوحودها.
إنكار الواقع لا يبدّده. ما جرى ويجري حولنا، وفي لبنان تحديداً، بعد الحرب الأخيرة، شكّل منعطفاً تاريخياً لا كبوة ظرفية. وما نعيشه اليوم في الجنوب من استمرار العدوان الإسرائيلي هو نتيجة مباشرة لذلك الواقع الميداني والعسكري الجديد، واقع لا رجعة عنه (irréversible) في المدى المنظور.
وإذا أضفنا أن لبنان بلد مفلس ومنهار، وأن الجنوب والضاحية والبقاع دُمّروا بشكل غير مسبوق، مع أكثر من ٥٠ ألف وحدة سكنية مدمرة، تدمير ساحق للبنى التجارية والاجتماعية في جنوب وشمال الليطاني، ومسح شبه كامل للبنى التحتية في القرى الأمامية، تصبح الصورة أكثر وضوحاً.
ولأن ميزان القوى العسكري والدبلوماسي هو الذي يحدد شروط تمويل إعادة الإعمار، فإن التحدي الاساسي هو في ضمان العودة المستدامة. وحدها العودة تخفف من وطأة ما جرى. نعم، سؤال كيف نعود إلى قرانا بطريقة مستدامة ليس سؤالا شعاراتيا، بل يجب أن نتصرف لتكون هذه العودة أولوية الأولويات، لا مجرد ورقة في بازار تسجيل النقاط على الدولة.
بكل صراحة، الإنكار لم يعد ينفع. الواقع شديد الصعوبة. نعم. لكن لا بد من مواجعة الحقيقة كما هي. عودتنا لن تكون قريبة. هذه حقيقة يكفي المقارنة بما جرى عام 2006: يومها كانت الدولة أقل ترهلاً، والأموال حضرت، والدمار كان أقل بثلاث مرات مما هو عليه اليوم.
وهنا يُطرح السؤال المشروع والملحّ: من يحمي لبنان من الإجرام الإسرائيلي؟ ومن يستطيع أن يضمن ردعه؟ هذا السؤال أكثر من مشروع، لكنه لا يُجاب عليه بالتمنيات، بل بمصارحة النفس: هل ما تبقى من سلاح الحزب، بمنأى عن الدولة، قادر فعلاً على حماية لبنان، أم أنه، على العكس، تحوّل إلى عبء وحلقة ضعف تُستغل لتدمير البلد؟ إن مطلب حصرية السلاح هو مصلحة لبنانية وطنية لم تبدأ اليوم، وهو عنوان للمساواة بين الأفراد والمكونات، تحديداً بعدما انتهى دور هذا السلاح بالمعنى الاستراتيجي. إنه قرار صعب، نعم، لكن المماطلة والهرب وإضاعة الوقت لم تعد في مصلحة أحد، بما في ذلك مصلحة الوطن نفسه.
فالردع بالمعنى العسكري المباشر لم يعد قائمًا. إسرائيل، حين قررت تفريغ القرى وتدمير الحياة، لم تردعها كثافة السلاح. اختلفت المعادلة: لم يعد هناك توازن رعب، بل تفوق مطلق يُستخدم لإحداث نكبة. فماذا يمكن للبنان أن يفعل؟ ما تفعله كل الدول الصغيرة: يبني أمنه من خلال وحدة مؤسساته، ويحصّن نفسه بشبكة علاقات دولية متينة، ويعيد تعريف وبناء دوره الاقتصادي ويحمي نفسه بالاستثمارات ويحسن من أوراق تفاوض في ساحات الدبلوماسية والسياسة. الردع، اليوم، لم يعد ممكنا قياسه فقط بكمية الصواريخ، بل بقدرة الدولة على التعافب.
وفي كل الأحوال، من لديه تصورًا آخر فليطرحه. أمّا تكديس السلاح بلا استراتيجية وطنية ولا غطاء شرعي جامع، فلم يعد يولّد ردعًا، بل يكرّس الانكشاف، ويزيد من عزلة لبنان وهشاشة جبهته الداخلية.
ان استمرار هذا الواقع – الذي كان إشكالياً حتى قبل الحرب – لم يعد ممكناً. ومن يرفض منطق حصرية السلاح بيد الدولة، لم يعد باستطاعته الاكتفاء بالتهجم على خصومه أو التحصّن خلف خطاب المواجهة. بات عليه أن يجيب عن أسئلة جدية: ما الجدوى اليوم من بقاء هذا السلاح؟ ما العلّة؟ وما الهدف؟ وهل أصلاً هذا السلاح، بوضعه الحالي، قادر على حماية البلد من العدو؟ عليه أن يشرح لناسه كما لبقية اللبنانيين على ماذا يراهن وماذا ينتظر؟
هي أسئلة صعبة وقاسية، لكن كيف يمكن التنصل من الإجابة عنها بعد كل ما جرى وبالنظر إلى الواقع القائم؟ هل لدى أحد جواب مسؤول على هذه الأسئلة خارج منطق الغيبيات أو منطق "قطع اليد"؟ هل من بيّنة أو حجة منطقية لرفض نقاش العودة إلى الدولة؟ كيف يمكن تبرير أن لا يكون لبنان دولة كبقية دول العالم، لا أكثر ولا أقل؟