حزب الله لا يملك ترف الخيارات

خبر من Goodpresslb

نوفمبر 2, 2025 - 22:34
 0
كتب: د. علي احمد مراد على الرغم من الانسحاب من الجلسة، ومن مشهد النزول الجماهيري المعتاد، ومن حدّة الخطاب السياسي والإعلامي واشتباكات السوشال ميديا، إلا أنّ حزب الله يدرك تمامًا أن الاتفاق الأخير ليس حدثًا مفاجئا خارج السياق، بل محطة في مسار بدأ مع نهاية الحرب ووقف إطلاق النار. قد لا يكون الحزب موافقًا على تفاصيله، لكنه يعرف أنّ هذا المسار كان لا بدّ أن يصل إلى هنا عاجلًا أو آجلًا. ورغم الاعتراض السياسي، يدرك الحزب أنه لا يملك ترف الخيارات. هو لا يريد هذا الخيار لكنه مضطر الى تجرع السم لانه وبكل بساطة : لا خيارات أخرى. فهو مسؤول أمام ناسه، ومجتمعه، وهو مؤتمن بالمعنى التاريخي على حمايتهم وليس فقط على حماية سلاحه. ومن هنا، يمكن فهم موقفه كقبول واقعي بالقرار، مقترن باعتراض سياسي معلن، في محاولة للجمع بين الحفاظ على الخطاب، وتفادي مواجهة داخلية أو حرب خارجية. هذا ما يؤكه عدم تعطيل الجلسة او الضغط بموضوع الميثاقية او التلويح بالاستقالة وتصريح حركة أمل للانسحاب من الشارع. الرهان على المفاوضات الإيرانية–الأميركية لكسب الوقت وتحسين الشروط لم ينجح. المواجهة المحدودة الأخيرة بين إيران وإسرائيل–الولايات المتحدة لم تغيّر شيئًا في المعادلة اللبنانية. سقطت ورقة الانتظار، ولم يعد من الممكن إضاعة المزيد من الوقت. والحقيقة أن أي حرب مقبلة، في هذا التوقيت، لن تكون مجرّد مواجهة تقليدية، بل حربًا شاملة مع عدو متوحّش، لا يردعه شيء، يملك ترسانة هائلة، وموارد تدميرية لا تنضب واستعداد للاستمرار في الحرب سنوات. وقد أثبت استعداده لتدمير الحجر والبشر. وفي مواجهة هذا الواقع، تصبح حماية لبنان من إسرائيل، بمؤسسات الدولة وحدها، هدفًا وطنيًا أعلى، قبل أي اعتبار آخر. لكن هذه المهمة تُطرح في لحظة انكشاف. الردع لم يعد موجودا، لأن الردع هو في منع الاعتداءات او فرض توقفها، وهو ما ليس متاحا اليوم. وهنا يُطرح السؤال المركزي: كيف نحمي لبنان؟ ليس فقط من الحرب، بل من الفوضى، من الانهيار، من التآكل الصامت. والسؤال لا يجب أن يُوجَّه فقط إلى الدولة: "هل هي قادرة؟"، بل إلى الجميع: كيف نُمكّن الدولة – رغم علّاتها – من أن تصبح قادرة فعلًا على الحماية؟ الذي قام والسلاح لم يمنع العدوان. بل كشف غياب استراتيجية وطنية شاملة، وزاد من العزلة الداخلية والخارجية. نعم اسرائيل تشكل خطراً داهماً على لبنان، ولكن كيف نتعامل مع الواقع الذي أظهر انه لم يعد بامكاننا مواجهة العدو عسكريا في ظل موازين القوى الحالية ؟ خيار الانكار لا يجدي. مقاومة الخطر الاسرائيلي ليست فقط يالسلاح. وهذه هي مهمة مشتركة للجميع، وان نضغط جميعا كي تكون كذلك. اليوم الدولة مطالبة جديا بخطوات عملية حتى قبل وصول التمويل للتعامل مع إعادة الاعمار إعادة الإعمار ليست فعل إغاثة فقط، بل فعل مقاومة. العودة إلى القرى، حماية التراث، ترميم البيوت، الحفاظ على نسيج المجتمع، كلها أشكال من المقاومة الحقيقية في وجه مشروع إسرائيل بإفراغ الجنوب. لا نواجه الاحتلال بالخطب، بل بالفعل، بالبقاء، بالحق. تأمين الشروط لعودتنا هو فعل مقاوم بامتياز يحمي انتصار أيار ال 2000. لكن كل ذلك لا يتمّ من دون الدولة. ضعوا المواقف الرنانة جانبا. لا خيار آخر أمامنا. هي الجهة الوحيدة القادرة على إدارة الإعمار، على التفاوض، على تأمين الحماية السياسية، وعلى ربط لبنان بشبكة الدعم الدولية والبحث عن مصلحة لبنان في ظل ديناميات اقليمية جديدة لا تشبهما سبقها قبل 7 تشرين. ومن دون وحدة وطنية حقيقية، أو على الأقل تماسك داخلي، لا يمكن تحمّل تبعات أي مرحلة مقبلة. حبّذا لو تعامل الحزب باقل حدية مع جلستي الثلاثاء والخميس، لا لأنهما كانتا ستبدّلان جوهريًا في المسار، بل لأنهما كانتا قد تشكّلان إشارة واضحة إلى استعداد سياسي حقيقي لفتح الباب أمام تسوية داخلية تاريخية جديّة. تسوية لا تختصرها الأوراق الحكومية ولا تقف عند حدود المواقف الإعلامية، بل تبدأ من الاعتراف بأننا بلغنا حدود الانقسام، وأنّ لبنان، بكل واقعية، لم يعد يحتمل مزيدًا من الإنكار والمراوحة. والاهم من ذلك ان هذه التسوية هي مصلحة لبنانية للجميع ولأهل الجنوب والبقاع. المصالحة الوطنية ليست ترفًا ولا مناورة، بل شرط من شروط حماية البلد من اي خطر يأتي من خلف الحدود، كل الحدود. وإذا لم نبلغ بعد لحظة وحدة وطنية شاملة، فليكن الحدّ الأدنى من التماسك والتفاهم. فبين فوضى التفكك ووهم فائض القوة، لا يبقى سوى الدولة كملاذ، والوحدة كضمانة أخيرة. هذا هو التحدي، وهذه هي الفرصة.