الانتشار البريطاني في إسرائيل: دلالات سياسية وعسكرية لمرحلة الوصاية الميدانية الغربية المؤقتة

خبر من Goodpresslb

نوفمبر 2, 2025 - 22:30
 0
في خطوة غير مسبوقة منذ عقود، كشفت صحيفة التايمز البريطانية عن انتشار قوات بريطانية في إسرائيل ضمن إطار “قوة متعددة الجنسيات” مكلّفة بمراقبة وقف إطلاق النار في غزة. ورغم الطابع الفني لهذه المهمة، فإن خلفياتها السياسية والعسكرية تشير إلى تحوّل استراتيجي في بنية الوجود الغربي بالشرق الأوسط، وإلى ما يشبه مرحلة الوصاية الميدانية المؤقتة التي تعيد رسم خرائط النفوذ تحت غطاء “الاستقرار الإقليمي”. من مراقبة وقف النار إلى وصاية ميدانية الانتشار البريطاني يأتي ضمن تحالف دولي آخذ بالتوسع، يضم قوى متعددة الجنسيات ذات مهام “ردعية–إشرافية” تتجاوز حفظ السلام إلى فرض توازنات ميدانية محسوبة تمنع الأطراف المحلية من تغيير المعادلات. لكن خلف هذا الغطاء الأممي، تبرز مطامع بريطانية قديمة–متجددة في المنطقة، تعود إلى زمن الانتداب، وتُترجم اليوم بشكل جديد من خلال تموضع عسكري واستخباراتي قرب خطوط النزاع، وبخاصة في الجنوب السوري و الجنوب اللبناني. هذه القوة ليست بعيدة عن منطق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يشرعن التدخل المباشر “لحفظ السلم”، لكنه في الواقع يمنح القوى الكبرى تفويضًا مفتوحًا لتكريس حضورها الميداني، ولفرض أجنداتها السياسية. ——— البعد السوري: دور بريطاني يتجدد في سوريا، يبرز الدور البريطاني بصورة موازية، سواء في دعم أطراف محددة في الداخل السوري أو في المواقف الأخيرة التي رافقت رفع هيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب البريطانية، وهو قرار أثار تساؤلات حول دوافعه وتوقيته. فبينما يروَّج لهذا القرار على أنه “انفتاح سياسي”، يراه محللون جزءًا من مشروع إعادة تشكيل النفوذ الغربي في سوريا، واستثمارًا في قوى محلية يمكن توظيفها لتحقيق أهداف ميدانية، تؤمن له السيطرة الكاملة دون الدخول في مواجهة مباشرة. كما أن بريطانيا تُسهم في إعادة هيكلة الدور الغربي جنوب سوريا، حيث تسعى، ضمن التنسيق الأميركي–الإسرائيلي، إلى تثبيت ترتيبات ميدانية تخدم أمن إسرائيل على الحدود، وتمنع أي تغيير ميداني لا يخدم مصالحها. شكل وجود القوات البريطانية و القوات متعددة الجنسيات في المنطقة خطرًا استراتيجيًا على الساحة السياسية اللبنانية، إذ سيُستغل تواجدها الخارجي لفرض ضغوط على حزب الله لنزع قدراته، ما يخدم المخططات الإسرائيلية ويزيد الانقسامات الداخلية. على الرغم من كونها خارج الحدود اللبنانية، إلا أن تأثيرها يصل مباشرة إلى الداخل، إذ يقوّي طرفًا على حساب آخر ويضعف الجيش اللبناني، ويحوّل القرار الوطني إلى رهينة للنفوذ الخارجي، بحيث تصبح السيادة الفعلية مرهونة لإسرائيل. هذا التمركز يعمّق الاستقطاب الطائفي والسياسي ويحوّل الملفات الداخلية إلى أدوات ضغط دولية بدل الحلول الوطنية، ويُكرّس اعتماد لبنان على الرقابة الخارجية بدل تعزيز سيادته واستقلاله. ———— تجارب عالمية مقلقة     التاريخ القريب يقدم نماذج عديدة لفشل القوى المتعددة الجنسيات في تحقيق استقرار حقيقي. ففي أفغانستان، انتهى عقدان من الوجود الدولي إلى فراغ أمني وانهيار شامل. وفي هايتي، تحوّلت قوات المراقبة إلى طرف في النزاع. أما في البوسنة وكوسوفو، فقد أدّى الوجود الطويل تحت البند السابع إلى ترسيخ الانقسام بدل تجاوزه. و الأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، وهذه التجارب تؤكد دائماً على أن المهام المؤقتة تتحول غالبًا إلى وصاية دائمة، وأن “الاستقرار الدولي” كثيرًا ما يكون غطاءً لتأمين المصالح و لإعادة توزيع النفوذ. ——— التجميل الإعلامي والخطورة الميدانية الإعلام الغربي وقنواته الموالية يعملون على تجميل صورة هذه القوات باعتبارها “ضمانة للسلام”، متجاهلة أن وجودها يُضعف الأطراف المحلية ويُقوّي طرفًا على حساب آخر، ما يخلق خللاً استراتيجياً جديداً. وفي الحالة الفلسطينية، فإن هذه القوة ستتحول إلى درع سياسي وعسكري لإسرائيل، يتيح لها تنفيذ الاتفاقيات السياسية والعمليات العسكرية و ممارسة الأعمال العدائية تحت غطاء “الشرعية الدولية”، ويُقيّد في المقابل قدرة فصائل المقاومة على الحركة، و يشل الجهود السياسية الساعية إلى حل القضية الفلسطينية بناء على قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي. ———- الدلالات الاستراتيجية التحركات البريطانية والغربية الأخيرة تعكس تحولًا عميقًا في فلسفة التدخل الدولي: لم يعد الهدف إنهاء النزاعات بل إدارتها وإدامتها ضمن معادلات يمكن التحكم بها. فالقوات المتعددة الجنسيات، التي تُقدَّم كضمانة للسلام، كثيرًا ما تتحول إلى أداة لإدامة التوازن القائم وتثبيت النفوذ الخارجي، لا لتحقيق الاستقرار المنشود. ومع كل تجربة جديدة، نتتأكد أن الشرق الأوسط ليس ساحة اختبار لمشاريع “السلام الدولي” فحسب، بل مختبر لإعادة إنتاج الوصاية الغربية بصيغ محدثة.     وفي المحصلة، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة انتقالية جديدة، قوامها: • وصاية ميدانية غربية. • إدارة دولية للنزاعات. • وتجميد للحروب دون حلول نهائية. وهي معادلة قد تُريح إسرائيل مؤقتًا، لكنها تضع المنطقة أمام اختبار تاريخي بين الاستقرار المفروض والاستقلال المعلّق