"لا يوجد عدة طرق للسلام… لأن السلام هو الطريق"
كتب عمر حرفوش في "نداء الوطن":
هذه الحقيقة التي فهمتها شعوب كثيرة بعد حروب طويلة، ما زال لبنان حتى اليوم يخاف من مواجهتها، لا لأن اللبنانيين لا يريدون السلام، بل لأن هناك من بنى نفوذه ومصالحه على استمرار الخوف والانقسام والأزمات.
لبنان اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرّر. وللمرة الأولى منذ عقود، هناك رئيس جمهورية ورئيس حكومة لا ينتميان إلى كارتيل الحرب والفساد الذي حكم لبنان وأوصله إلى الانهيار الكامل.
المشكلة الحقيقية ليست أنّ طريق السلام صعب، بل أنّ هناك من بنى وجوده السياسي والمالي والشعبي على استمرار الأزمة.
كل زعيم، وكل مستشار، وكل حزب، لديه مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في بقاء لبنان داخل دائرة الخوف والتوتر والانهيار. لأن خروج لبنان من أزمته يعني تلقائيًا انتهاء دور كثيرين ممن يعيشون على الانقسام والفوضى والسلاح والخوف.
لهذا نرى اليوم عشرات المشاريع والطروحات والنصائح التي تُقدَّم لرئيس الجمهورية، وكل واحد يعتقد أنّ طريقه هو الصحيح، بينما الحقيقة أنّ معظم هذه المشاريع لا تخدم لبنان بقدر ما تخدم أصحابها وانتماءاتهم وحساباتهم السياسية والخارجية والشعبوية.
أما الطريق الحقيقي، الطريق الوحيد القادر على تغيير مصير لبنان، فهو طريق السلام.
السلام لا يُصنع بين أصدقاء، بل بين أعداء سابقين يقرّرون إنهاء الحروب وفتح صفحة جديدة.
ولبنان لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات والشعارات، بل يحتاج إلى قرار شجاع يعيده إلى العالم، إلى الاستقرار، إلى الاستثمار، إلى الدولة.
رئيس الجمهورية كان في بداية هذا المسار مقتنعًا بأن السلام هو الطريق الصحيح، ثم بدأ التراجع تحت ضغط الخوف.
صاروا يقولون له: كيف ستعود إلى لبنان؟
سيقتلونك سياسيًا.
سيهاجمونك إعلاميًا.
سيعتبرونك خائنًا.
لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. الشعب اللبناني المتعب، المنهك، الفقير، يريد الخروج من الجحيم. واللبنانيون سيستقبلون أي خطوة تنقذهم بالفرح لا بالغضب، لأن المستفيد الأول من السلام ليس الزعماء، بل الناس.
كل من يخوّف الرئيس إنما يخاف على نفسه، على نفوذه، على دوره، على امتيازاته، على المرحلة التي ستنتهي بمجرّد دخول لبنان عصر الدولة الحقيقية.
وربما ما لا يدركه الرئيس حتى الآن أنّ نقاط القوة التي يظنّها نقاط ضعف هي في الحقيقة مصدر شرعيته التاريخية.
هو ليس ابن ميليشيا.
ليس ابن حزب.
ليس أسير شارع طائفي.
يداه غير ملطختين بالدماء.
جاء من المؤسسة الوحيدة التي ما زالت تحظى باحترام اللبنانيين جميعًا: الجيش اللبناني.
هذه ليست نقاط ضعف… بل عناصر قوة استثنائية لم يمتلكها معظم من سبقوه.
ولو كان رئيسًا تابعًا لحزب أو طائفة أو مرجعية، لكان مضطرًا كل يوم إلى العودة إلى الحسابات الضيقة.
أما اليوم، فهو حرّ. وهذه الحرية هي فرصته التاريخية.
وفي تجربتي الشخصية المتواضعة، تعلّمت شيئًا أساسيًا:
عندما يرى الإنسان الطريق الصحيح بوضوح، لا يجب أن يسمح للخوف أو للضجيج أو لمصالح الآخرين بأن تمنعه من اتخاذ القرار.
في كل قرار كبير اتخذته في حياتي، قيل لي: لا تفعل.
سيحاربونك.
سيهاجمونك.
ستفشل.
لكن ما إن يُتخذ القرار، حتى يبدأ الجميع بإعادة التموضع حول الواقع الجديد.
وهذا ما سيحدث في لبنان أيضًا.
بمجرّد أن يتخذ رئيس الجمهورية القرار الشجاع، وبمجرّد أن يذهب إلى واشنطن ويجلس في المكان الذي تُصنع فيه التحوّلات الكبرى، سيفهم الجميع أن لبنان دخل مرحلة جديدة.
مرحلة تنتهي فيها هيمنة السلاح والفوضى والمحسوبيات.
مرحلة يصبح فيها لبنان دولة لا ساحة.
ودولة قوية لا رهينة.
التاريخ لا يذكر المتردّدين.
التاريخ يذكر الذين امتلكوا شجاعة قلب الصفحة.


