بين ذاكرة الكاسيت وصوت الحنين: هاني شاكر كما لم أسمعه من قبل!

مايو 3, 2026 - 16:54
 0
بين ذاكرة الكاسيت وصوت الحنين: هاني شاكر كما لم أسمعه من قبل!

كتبت هناء بلال 

في كل جيلٍ صوتٌ يرافقه كظلّه، يتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية من دون استئذان، فيرتبط بذاكرة الأماكن لا بذاكرة الألبومات فقط. في تسعينيات القرن الماضي، كانت شرائط الكاسيت التجميعية تملأ الأسواق، تجمع أبرز أغاني الفنانين تحت عناوين مثل "أجمل الأغاني" أو "أفضل ما غنّى"، لكن تجربة المستمع مع صوت الفنان المصري هاني شاكر كانت مختلفة تمامًا.

فهو لم يكن مجرد مطرب تُجمع له الأغنيات، بل حالة شعورية كاملة حملت لقب" أمير الأحزان" عن استحقاق فني واضح. كانت شرائطه، سواء الرسمية أو التجميعية غير المعلنة، تُشبه رحلة داخل ذاكرة القلب: حبّ غير مكتمل، فراق متكرر، وحنين لا ينطفئ. حتى عناوين تلك الشرائط كانت تميل إلى الحزن أكثر مما تميل إلى “الأجمل”، وكأن صوته لا يُقدَّم إلا في سياق وجداني ثقيل يلامس الانكسار الإنساني.

لكن ذاكرتي مع هذا اللون من الغناء لم تكن يومًا علاقة انجذاب. في البيت، كان خالي يستمع دائمًا إلى أغاني هاني شاكر، بصوتٍ يملأ المكان مزيجًا من الشجن والحنين، بينما كنت أميل بطبعي إلى مساحة مختلفة تمامًا: القصيدة أكثر من الأغنية، الفرح أكثر من الوجع، والإيقاع الذي يترك أثرًا خفيفًا لا ثقيلاً على الروح. لم أكن من جمهور هذا اللون الحزين، ولا من أولئك الذين يجدون أنفسهم في الدموع الموسيقية الممتدة.

في المقابل، كانت ذائقتي تستقر بثبات على صوت الفنان العراقي كاظم الساهر، حيث تتداخل القصيدة مع اللحن، وتتحول اللغة إلى مساحة عشق راقٍ لا يقتصر على الحزن، بل يرفعه إلى مستوى جمالي مختلف.

مع مرور السنوات، تغيّرت تفاصيل كثيرة في الحياة، لكن بقيت الموسيقى كطقس يومي في المكتب، حيث اعتدنا الاستماع إليها خلال العمل. كنت أتولى عادة اختيار قائمة الأغاني، في تنويع يعكس مزاج الفريق لا مزاجي وحدي. وفي أحد الأيام، قررنا أن نخصص "تكريمًا موسيقيًا" لهاني شاكر، في لحظة بدت أقرب إلى استعادة أرشيف من الذاكرة أكثر منها مجرد استماع عابر.

الغريب أنني حين بدأت اختيار الأغاني، اكتشفت أن ذاكرتي تختزن منه أكثر مما كنت أظن. أغنيات كنت أسمعها من دون أن أنتبه، وأخرى تسللت إلى الخلفية الصوتية للحياة اليومية، بصوته الحنون الذي ينساب بهدوء حتى في أكثر اللحظات وجعًا. عندها فقط أدركت أن الابتعاد الذوقي لا يعني الغياب التام، وأن بعض الأصوات تترك أثرها حتى عندما نظن أننا لسنا من جمهورها.

وفي سياق الحديث عن مسيرته، وعن تلك الحالة الفنية التي جعلت الحزن جزءًا من هويته الغنائية، يظل هاني شاكر واحدًا من الأصوات التي رافقت وجدان أجيال كاملة، سواء أحبها المستمع أو اكتفى بالمرور عليها. صوتٌ لا يفرض نفسه، لكنه يبقى حاضرًا، كذكرى قديمة تعود فجأة من دون موعد.

وهكذا، بين ذاكرة شخصية لم تمِل يومًا إلى هذا اللون من الغناء، وبين تجربة جماعية جعلت من الحزن موسيقى جاهزة للاستماع، بقيت الأغنية مساحة مشتركة، حتى وإن اختلفت طرقنا في الإصغاء إليها.