روسيا بين وساطة واشنطن وطهران وارتداداتها على لبنان
كتبت دوللي بشعلاني في "الديار":
في الوقت الذي تتكثّف فيه الأزمات من أوكرانيا إلى إيران فلبنان والشرق الأوسط، أعاد الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين الذي دام لمدة 90 دقيقة، التأكيد على أنّ القنوات بين موسكو وواشنطن ما زالت مفتوحة رغم التوتّر العميق. ضمن هذا السياق، تعود روسيا إلى واجهة النقاش، على ما تؤكّد مصادر سياسية مطلعة، ليس فقط كطرف في الحرب الأوكرانية، بل كفاعل يحاول تقديم نفسه كـ"وسيط محتمل" أو "قناة توازن" بين واشنطن وطهران في ملف بالغ الحساسية، يتعلق بالبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي في المنطقة.
فما الذي تريده موسكو فعلاً؟ وهل تسعى إلى وساطة بين واشنطن وطهران؟ تجيب المصادر بأنّ المؤشرات الديبلوماسية، رغم اقتراحات موسكو الأخيرة بشأن الأورانيوم، لا تشير إلى وساطة روسية رسمية مكتملة بين الطرفين. لكنّ الصورة الأكثر واقعية هي أنّ موسكو تحاول التقدّم في مساحة رمادية بين "الوسيط" و"اللاعب المساعد"… فروسيا، تحتفظ من جهة بعلاقة "شراكة مصلحية" مع إيران، تشمل التعاون العسكري والاقتصادي، خصوصاً في سوريا والطاقة والتسليح. ومن جهة أخرى، تحافظ على خطوط تواصل مباشرة مع واشنطن، رغم التوتّرات العميقة. وهذا الموقع الوسطي، وفق المصادر، يمنحها القدرة على: نقل رسائل غير مباشرة بين الطرفين، تسهيل تفاهمات تقنية محدودة، وطرح نفسها كعنصر"لا غنى عنه" في أي تسوية مستقبلية.
لا يوجد حتى الآن مسار تفاوضي تقوده موسكو رسمياً، وتعتبر المصادر انه يمكن أن تكون موسكو شريكاً أساسياً في المفاوضات المقبلة المرتقبة بين واشنطن وطهران، وتلعب دوراً في حلّ العقدة الأبرز بينهما، ألا وهي الملف النووي الإيراني.
وبعد الاتصال الأخير بين ترامب وبوتين، يمكن القول بأنّ روسيا برّرت تحرّكها من خلال زيارة عراقجي ، التي تلاها اتصال بوتين بترامب، ضمن ثلاثة أهداف رئيسية:
- أولاً: تثبيت موقعها الدولي، فهي تريد أن تبقى لاعباً لا يمكن تجاوزه في الملفات الكبرى، سواء في أوكرانيا أو في الشرق الأوسط، عبر إبراز قدرتها على التأثير في ملف إيران أيضاً.
- ثانياً: استخدام ملف إيران كورقة تفاوض مع الغرب، من خلال فتح قناة مع واشنطن حول إيران، يمنح موسكو هامشاً إضافياً في التفاوض على ملفاتها الأساسية، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا والعقوبات.
- ثالثاً: منع انفجار إقليمي واسع. فموسكو لا تريد مواجهة إيرانية – أميركية شاملة، لأنّ أي تصعيد كبير في الخليج أو الشرق الأوسط ، سيؤدّي إلى إعادة تشكيل توازنات قد لا تكون لصالحها.
من هنا، فإنّ أي حديث عن وساطة لا يمكن فصله عن طبيعة الخلاف بين واشنطن وطهران، تقول المصادر، فأي وساطة روسية حتى لو توسّعت، تعمل داخل مساحة شديدة التعقيد، وليست قابلة للحسم السريع.
وتتساءل المصادر: ماذا لو نجحت وساطة موسكو جزئياً، مشيرة إلى أنّه في حال أدّت الجهود الروسية إلى تفاهم جزئي أو تهدئة بين واشنطن وطهران، فإنّ التأثير الأهم سيكون في الشرق الأوسط، وتحديداً في لبنان. بمعنى آخر، إنّ أي إنفراج بين البلدين، سينعكس مباشرة على لبنان، ليس عبر روسيا نفسها، بل عبر المعادلة الإقليمية التي تتحرّك ضمنها. والنتائج المحتملة عندها، ستكون برأي المصادر السياسية على النحو الآتي:
• انخفاض منسوب التوتّر الإقليمي المرتبط بالمواجهة الأميركية – الإيرانية.
• تراجع احتمالات التصعيد غير المباشر في الساحات المتأثرة بهذا الصراع.
• فتح هامش أوسع للحركة السياسية الداخلية في لبنان.
• إعادة ترتيب تدريجية للتوازنات الداخلية على قاعدة تهدئة خارجية.
في الوقت نفسه، تلفت المصادر إلى أنّ روسيا لا تتعامل مع لبنان كملف مباشر، بل كساحة تتأثر بالتوازنات الكبرى، خصوصاً بالعلاقة بين واشنطن وطهران، وبالدور الإقليمي لإيران. لذلك، فإنّ أي دور روسي في "وساطة كبرى"، ينعكس على لبنان بشكل غير مباشر لكنه فعّال، عبر تغيّر ميزان الإقليم، وليس عبر تدخّل مباشر في الداخل اللبناني.
في الخلاصة، تختم المصادر السياسية بأنّ روسيا لا تقود وساطة مكتملة بين واشنطن وطهران، لكنها تتحرّك في مساحة دقيقة بين الإتصال والمقترحات والتأثير. وبعد الاتصال الأخير بين ترامب وبوتين، يبدو أنّ موسكو تحاول تثبيت نفسها كـ"وسيط محتمل عند الحاجة" في ملف إيران، من خلال ما تقترحه لحلّ الأزمة، لا بهدف الحلّ النهائي، بل لتعزيز موقعها التفاوضي عالمياً. أمّا لبنان، فسيبقى من أكثر الساحات حساسية لأي تحوّل في هذا المسار، كونه يتأثّر مباشرة بتوازن العلاقة الأميركية–الإيرانية، مهما كان دور روسيا فيه غير مباشر.


