أكثر من مليون شخص في دائرة الخطر الغذائي

مايو 1, 2026 - 07:16
 0
أكثر من مليون شخص في دائرة الخطر الغذائي

 كتبت زينب بزي في "الاخبار":

صنّف تقرير «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي» الصادر عن منظمة «فاو» ووزارة الزراعة اللبنانية وبرنامج الأغذية العالمية، أكثر من ربع سكان لبنان، أو 1.24 مليون مقيم، ضمن مستوى «انعدام أمن غذائي حادّ». جاء هذا التصنيف إثر الحرب الأخيرة، إذ بلغ عدد المُصنّفين ضمن هذا المستوى قبل الحرب، وتحديداً في شهرَيْ تشرين الثاني 2025 وآذار 2026 نحو 874 ألفاً، أي إن الزيادة التي طرأت على المُصنّفين بسبب الحرب تبلغ 367 ألفاً.

باختصار، تشير أرقام التقرير إلى أنّ القدرة على العيش باتت مُهدّدة مع اتّساع النزوح، وارتفاع الأسعار وتراجع المساعدات وشبه الغياب التام للدولة وتركيزها على مسائل ذات طابع سياسي غير وطني، بينما في المقابل تتسارع وتيرة التدهور من الجنوب إلى المدن الكبرى وتنتقل آلاف العائلات من مرحلة الضغط المعيشي إلى مستويات أكثر خطورة من انعدام الأمن الغذائي.

ولا يقتصر الأمر على هذه الزيادة، بل يشمل المخاطر التي يتطرّق إليها التقرير، زيادة في حدّة الأزمة نفسها، مرجّحاً أن يبلغ عدد الأشخاص المُصنّفين في «مرحلة الطوارئ الغذائية»، أو الأسر التي تعاني نقصاً حاداً في الغذاء وانهياراً خطيراً في سبل العيش مع ارتفاع خطر سوء التغذية، نحو 101 ألف شخص، مقابل غياب وجود لبنانيين مُصنّفين ضمن هذا المستوى سابقاً. أمّا من هم في «مرحلة الأزمة»، وهي التي تضم الأسر التي تواجه صعوبة جدّية في تأمين الغذاء وتلجأ إلى تقليص الوجبات أو الاستدانة وبيع ممتلكاتها للبقاء، فيقدّر أن يتجاوز عددهم مليوناً و140 ألف شخص.

لكنّ الكارثة لا تتوزّع بالتساوي على المناطق اللبنانية. فالجنوب تحديداً يتحوّل تدريجياً إلى بؤرة لانعدام الغذاء الأساسي في البلاد، ليس فقط بسبب القصف المباشر، بل لأنّ الحرب دمّرت الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية الطبيعية لهذه المناطق. ففي قضاءَيْ بنت جبيل ومرجعيون، يتوقّع التقرير أن يكون 65% من السكان ضمن مستويات «الأزمة أو الطوارئ» الغذائية، وهي أعلى نسبة في لبنان، بينما في صور ستبلغ النسبة 57%، وفي النبطية 51%.

هذه الأرقام لا تعني فقط أنّ الناس باتوا أفقر. بل تعني عملياً أنّ أكثر من نصف سكان بعض الأقضية لن يعودوا قادرين على تأمين الغذاء بشكل مستقرّ وآمن، أو سيصبحون مضطرين إلى تقليص وجباتهم، أو الاستدانة، أو التخلّي عن احتياجات أساسية أخرى كي يتمكنوا من شراء الطعام. ويشرح التقرير أسباب هذا التدهور الحادّ بوضوح: القصف الواسع، النزوح الجماعي، انهيار الأسواق المحلية، تراجع فرص العمل وارتفاع أسعار الغذاء والمحروقات، إضافة إلى تقلّص المساعدات الإنسانية المتوقّعة خلال الأشهر المقبلة.

«فمنذ آذار 2026، أدّى التصعيد العسكري إلى نزوح نحو 1.1 مليون شخص داخل لبنان، بحسب التقرير، أي ما يقارب خُمس السكان تقريباً، بينهم أكثر من 133 ألف شخص يعيشون في مراكز إيواء جماعية. وهذا النزوح لا ينعكس فقط على المناطق المُدمّرة، بل أيضاً على المدن والمناطق المستضيفة التي تواجه ضغطاً هائلاً على الإيجارات والخدمات والوظائف وأسعار السلع الأساسية. ولهذا تحديداً، لم تعد الأزمة محصورة بالجنوب، إذ يتوقّع التقرير أن يواجه نحو 109 آلاف شخص في بيروت مستويات حادّة من انعدام الأمن الغذائي، أي حوالي 21% من السكان الذين شملهم التحليل، فيما قد يصل العدد إلى نحو 99 ألف شخص في صيدا، و149 ألفاً في عكار، وأكثر من 161 ألف شخص في بعلبك ــ الهرمل.

لكنّ الجنوب يبقى الأكثر خطورة، لأنّ المشكلة هناك لم تعد مرتبطة فقط بالقدرة الشرائية، بل أيضاً بعمل الأسواق نفسها. فالتقرير يكشف انهيار مؤشّر أداء الأسواق التابع لبرنامج الأغذية العالمي من 7.8 نقاط في أيلول 2025 إلى 5.7 نقاط في آذار 2026، فيما انهار المؤشر في النبطية والجنوب إلى 1.7 نقطة، وهو تراجع حادّ يعكس إقفال المحالّ التجارية، صعوبة وصول البضائع، تراجع المخزون، وتعذّر التنقل والوصول إلى الأسواق بسبب القصف والدمار.

وتزداد الصورة قتامة مع الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات، التي تحوّلت إلى محرّك أساسي للتضخم الغذائي. فبين منتصف شباط ومنتصف نيسان 2026، ارتفع سعر البنزين بنسبة 41% والغاز بنسبة 27%. وهذه الزيادات انعكست مباشرة على أسعار النقل، تشغيل المولّدات، كلفة الزراعة، تخزين المواد الغذائية، والسلع الأساسية. حتى ربطة الخبز سجّلت أول زيادة كبيرة منذ أيلول 2024، لترتفع بنسبة 17% خلال شهر آذار وحده. عملياً، لم تعد المشكلة الأساسية نقص الغذاء، بل عدم قدرة الناس على شرائه مع تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار. ومع استمرار الحرب والتوترات الإقليمية وارتفاع كلفة النفط والتشغيل، يُتوقّع أن تتفاقم أزمة الأمن الغذائي وتتجاوز التقديرات الحالية.

كذلك يحذّر التقرير من أنّ تأثير الحرب الإقليمية لم يظهر بالكامل بعد. فلبنان، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، سيبقى عرضة لارتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين وتعطّل طرق التجارة، خصوصاً إذا توسّع التوتر في المنطقة أو تأثّرت حركة الملاحة في مضيق هرمز. والأخطر ربما أنّ التقرير يتوقّع تراجع المساعدات الإنسانية ابتداءً من أيار وحزيران بسبب نقص التمويل وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضرّرة. وهذا يعني أنّ آلاف العائلات التي لا تزال اليوم بالكاد قادرة على الصمود، قد تنزلق سريعاً نحو مستويات أكثر خطورة من انعدام الأمن الغذائي.