رحيل هاني شاكر.. صوتٌ وُلد في زمن العمالقة وبقي أميرًا للغناء العربي”

أبريل 13, 2026 - 14:40
مايو 3, 2026 - 15:28
 0
رحيل هاني شاكر.. صوتٌ وُلد في زمن العمالقة وبقي أميرًا للغناء العربي”

 

رحل الفنان هاني شاكر  اليوم والذي يُعد  واحدًا من أبرز الأصوات التي شكّلت ملامح الأغنية العربية الحديثة، إذ استطاع على مدى أكثر من أربعة عقود أن يحجز لنفسه مكانة خاصة بين عمالقة الطرب، مستندًا إلى صوتٍ عذب وإحساس مرهف مكّناه من الوصول إلى قلوب الجمهور في مختلف أنحاء الوطن العربي. لم يكن حضوره عابرًا، بل جاء نتيجة مسيرة طويلة من العمل الفني المتواصل، تعاون خلالها مع كبار الملحنين والشعراء، وقدم أكثر من 30 ألبومًا وما يزيد عن 600 أغنية، تنوّعت بين الحزن والفرح والحنين، مع الحفاظ على بصمته الخاصة التي تمزج بين الكلاسيكية والتجديد.

وُلد هاني شاكر في القاهرة في 21 ديسمبر 1952، ونشأ في بيئة مهتمة بالعلم والعمل، حيث كان والده موظفًا في مصلحة الضرائب ووالدته تعمل في وزارة الصحة. منذ طفولته، ظهرت ملامح موهبته الموسيقية، فتعلم العزف على آلة البيانو في سن مبكرة بإشراف والدته، التي لعبت دورًا مهمًا في توجيهه نحو الفن. لم تكن هذه البدايات مجرد هواية عابرة، بل شكلت الأساس لمسار فني طويل، عززه لاحقًا بالدراسة الأكاديمية في كونسرفتوار القاهرة، حيث صقل موهبته علميًا وعمليًا.

كانت أولى خطواته الفنية لافتة، إذ ظهر في سن صغيرة ضمن فيلم “سيد درويش” عام 1966، حيث جسّد شخصية الفنان الكبير في طفولته، ما أتاح له الاحتكاك المبكر بعالم الفن. كما شارك لاحقًا ضمن كورال أغنية “بالأحضان” إلى جانب عبد الحليم حافظ، وهو ما كان بمثابة بوابة دخول حقيقية إلى الساحة الغنائية، خاصة أن صوته أثار إعجاب كبار الفنانين في تلك المرحلة.

التحوّل الحقيقي في مسيرته جاء عام 1972، عندما اكتشفه الملحن الكبير محمد الموجي وقدّم له أولى أغانيه “حلوة يا دنيا”، التي شكلت نقطة الانطلاق نحو الشهرة. اللافت أن كثيرين ظنوا عند سماع الأغنية لأول مرة أنها تعود لعبد الحليم حافظ، نظرًا للتقارب الكبير في الإحساس والأداء، وهو ما منح هاني شاكر دفعة قوية في بداية مشواره. في تلك الفترة، كان المشهد الفني مزدحمًا بأسماء عملاقة مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، ومع ذلك استطاع أن يثبت نفسه بينهم ويحقق حضورًا لافتًا.

في منتصف السبعينيات، أطلق أول ألبوماته “كده برضه يا قمر”، الذي شكّل علامة فارقة في مسيرته، إذ عرّفه بشكل واسع لدى الجمهور العربي. لم يكتفِ بالغناء فقط، بل خاض تجارب في السينما والمسرح، فشارك في أفلام مثل “عندما يغني الحب” إلى جانب عادل إمام، كما قدّم أعمالًا مسرحية وتلفزيونية، ما أظهر تنوع قدراته الفنية.

مع مرور السنوات، رسّخ هاني شاكر مكانته كأحد أعمدة الأغنية الرومانسية، وارتبط اسمه بالأغاني ذات الطابع العاطفي الحزين، دون أن يقتصر عليها، إذ نجح في تقديم مختلف الحالات الشعورية بأسلوبه الخاص. ومن أبرز ألبوماته التي لاقت نجاحًا واسعًا: “يا ريتني” (1999)، “جرحي أنا” (2000)، “بحبك يا غالي” (2003)، و“بعدك ماليش” (2010)، وهي أعمال كرّست حضوره في الساحة الفنية وأكدت استمراريته.

لم يكن هاني شاكر مجرد مطرب يؤدي ما يُكتب له، بل امتد دوره إلى التلحين أيضًا، حيث قدّم ألبوم “قلبي مالو” عام 1994 من ألحانه، إلى جانب تعاونه مع نخبة من كبار الملحنين مثل بليغ حمدي وصلاح الشرنوبي وحسن أبو السعود وإلياس الرحباني، ما أغنى تجربته الفنية ووسّع آفاقها.

على الصعيد الإنساني، شكّلت وفاة ابنته عام 2011 بعد صراع مع المرض محطة مؤلمة في حياته، تركت أثرًا عميقًا على مسيرته، حيث ابتعد لفترة عن إصدار الألبومات، رغم استمراره في الغناء والحضور الفني. هذه التجربة أضفت على أدائه مزيدًا من الصدق والإحساس، وهو ما لاحظه جمهوره في أعماله اللاحقة.

إلى جانب مسيرته الغنائية، لعب هاني شاكر دورًا بارزًا في إدارة الشأن الفني في مصر، حيث انتُخب نقيبًا للمهن الموسيقية عام 2015 وأعيد انتخابه عام 2019، في مرحلة شهدت قرارات جدلية، أبرزها تنظيم عمل مطربي المهرجانات، في محاولة للحفاظ على ما يعتبره “هوية الفن المصري”.

ورغم التحديات والتغيّرات التي شهدها الوسط الفني، بقي هاني شاكر محافظًا على خطه الفني الخاص، متمسكًا بقيمة الكلمة واللحن، ومؤمنًا بأن الفن رسالة تتجاوز الترفيه إلى التأثير في وجدان الناس. بهذا التوازن بين الأصالة والتجديد، استطاع أن يحافظ على مكانته كواحد من أبرز رموز الغناء العربي، وأن يستمر صوته حاضرًا في ذاكرة الأجيال.