من وهم الهيمنة إلى حدود القوة

مارس 21, 2026 - 08:26
 0
من وهم الهيمنة إلى حدود القوة

كتب باسم الموسوي:

حين نشر المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد كتابه الشهير الاستشراق في أواخر القرن العشرين، لم يكن يقدم مجرد دراسة في تاريخ الأفكار أو نقداً أكاديمياً لمدرسة معرفية غربية، بل كان يكشف عن بنية فكرية عميقة حكمت علاقة الغرب بالشرق طوال قرنين كاملين. فقد بيّن سعيد أن الاستشراق ليس مجرد اهتمام علمي بثقافات الشرق، بل هو منظومة معرفية متشابكة مع السلطة، تشكلت في سياق التوسع الإمبراطوري الأوروبي ثم انتقلت لاحقاً إلى السياسات العالمية للقوى الكبرى. في هذه المنظومة يتحول الشرق إلى موضوع للمعرفة والسيطرة في آن واحد، وتصبح المعرفة أداة لتبرير الهيمنة.

في قلب هذا التحليل تكمن فكرة أساسية مفادها أن «الشرق» الذي تتحدث عنه الخطابات السياسية والإعلامية الغربية ليس الشرق الواقعي بتاريخه المعقد ومجتمعاته المتنوعة، بل شرق متخيل صيغ عبر قرون من الكتابة الاستشراقية. هذا الشرق المتخيل يُقدَّم بوصفه فضاءً للفوضى والاستبداد والعنف الديني، في مقابل غرب يُصوَّر باعتباره موطن العقلانية والتقدم والنظام. ومن خلال هذه الثنائية تصبح الهيمنة السياسية والعسكرية عملاً يبدو في الظاهر ضرورياً لإدخال «النظام» إلى عالم يوصف بأنه عاجز عن إنتاجه بنفسه.

تتجلى هذه البنية الفكرية بوضوح في السياسات المعاصرة للقوى الكبرى في الشرق الأوسط. فالحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة كثيراً ما ارتبطت بخطابات ثقافية تفسر الصراعات باعتبارها نتاجاً لطبيعة الشرق ذاته. وهكذا يجري الحديث عن «العنف المتأصل» أو «العقلية الطائفية» أو «غياب الثقافة الديمقراطية» بوصفها أسباباً للصراعات، بينما يتم تجاهل العوامل التاريخية والسياسية الأعمق التي شكلت واقع المنطقة منذ الحقبة الاستعمارية.

إن هذا النمط من التفكير لا يقتصر على الخطاب الثقافي، بل يمتد إلى التخطيط الاستراتيجي نفسه. فحين ينظر صانع القرار إلى المجتمعات التي يتعامل معها باعتبارها مجتمعات ضعيفة أو منقسمة بطبيعتها، يصبح التدخل العسكري في نظره عملية قابلة للنجاح السريع. غير أن التجربة التاريخية تكشف مراراً حدود هذا التصور. فالقوة العسكرية الهائلة لا تكفي وحدها لإعادة تشكيل مجتمعات تمتلك تاريخاً طويلاً من الصراع السياسي والقدرة على التكيف مع الأزمات.

لقد شهد القرن العشرون مثالاً مبكراً على هذه المفارقة في الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا. فقد دخلت واشنطن تلك الحرب وهي مقتنعة بأن التفوق العسكري والتكنولوجي كفيل بحسم الصراع بسرعة، لكنها اصطدمت بواقع مختلف تماماً. فالمجتمع الذي اعتُبر ضعيفاً أو قابلاً للإخضاع استطاع أن يحول الحرب إلى معركة طويلة أنهكت القوة العظمى نفسها. وفي نهاية المطاف لم تستطع القوة العسكرية أن تحقق الأهداف السياسية التي أعلنتها الحرب في بدايتها.

تكرر هذا المشهد بعد عقود في آسيا الوسطى، حين خاضت الولايات المتحدة حرباً طويلة في أفغانستان. فمرة أخرى بدا في البداية أن الفارق الهائل في القدرات العسكرية سيحسم الصراع سريعاً. غير أن الواقع الاجتماعي والسياسي للبلاد، وتعقيد بنيتها التاريخية، جعلا الحرب تمتد سنوات طويلة دون أن تحقق الاستقرار الذي وعدت به. ومع مرور الوقت أصبح واضحاً أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها إعادة تشكيل مجتمع كامل وفق تصور خارجي.

هذه التجارب ليست مجرد أحداث منفصلة في التاريخ العسكري، بل تعكس خللاً أعمق في الطريقة التي يُفهم بها العالم غير الغربي داخل بعض مراكز القرار. فحين تُبنى السياسات على صور ثقافية مبسطة، يصبح التخطيط الاستراتيجي نفسه أسير تلك الصور. وفي هذه الحالة تتحول الحرب إلى محاولة لإثبات صحة تصور مسبق عن العالم، بدلاً من أن تكون استجابة واقعية لتعقيداته.

في الشرق الأوسط المعاصر تظهر هذه المفارقة بوضوح أكبر. فالمنطقة غالباً ما تُقدَّم في الخطاب الدولي بوصفها ساحة للصراعات الأبدية بين الطوائف أو الثقافات. غير أن هذا التصوير يتجاهل حقيقة أن كثيراً من الصراعات الحالية تشكلت في سياق تاريخي محدد، بدءاً من رسم الحدود السياسية بعد انهيار الإمبراطوريات، مروراً بالتنافس الدولي على الموارد والطاقة، وصولاً إلى التدخلات العسكرية المتكررة التي أعادت تشكيل التوازنات الداخلية للدول.

حين ننظر إلى هذه العوامل مجتمعة يتضح أن الحروب في الشرق الأوسط ليست نتيجة طبيعية لثقافة معينة، بل هي جزء من تاريخ سياسي عالمي معقد. فالقوى الدولية لعبت دوراً مركزياً في تشكيل البيئة الاستراتيجية للمنطقة، سواء عبر التحالفات العسكرية أو عبر الصراعات الجيوسياسية الكبرى. وفي هذا السياق يصبح الخطاب الذي يختزل الصراع في «طبيعة الشرق» مجرد تبسيط يخدم أغراضاً سياسية.

لكن تحليل سعيد لا يتوقف عند نقد الخطاب الغربي وحده. فهو يشير أيضاً إلى أن ردود الفعل في العالم العربي والإسلامي قد تقع أحياناً في فخ الاستقطاب نفسه. فعندما يُقدَّم الغرب كله بوصفه عدواً حضارياً، يجري إعادة إنتاج نفس الثنائية التي يقوم عليها الاستشراق، أي تقسيم العالم إلى هويات متعارضة لا يمكن التوفيق بينها. وهكذا يصبح الصراع الثقافي نبوءة تحقق ذاتها، حيث يعزز كل خطاب متطرف الخطاب المقابل له.

إن تجاوز هذا المأزق يتطلب إعادة التفكير في العلاقة بين المعرفة والسياسة. فالطريقة التي نفهم بها المجتمعات الأخرى تؤثر مباشرة في السياسات التي نتبناها تجاهها. وإذا كانت هذه المعرفة مبنية على صور نمطية، فإن السياسات التي تنتج عنها ستقود في الغالب إلى نتائج عكسية. ولذلك كان سعيد يرى أن نقد الاستشراق ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل خطوة ضرورية لفهم العالم بطريقة أكثر واقعية وإنسانية.

في ضوء ذلك يمكن قراءة الحروب المعاصرة في الشرق الأوسط بوصفها اختباراً حقيقياً لهذه الفكرة. فكلما بُنيت السياسات على تصور مبسط عن المنطقة، ظهرت حدود القوة العسكرية بسرعة. فالمجتمعات التي تُختزل في الخطاب السياسي إلى «جماعات منفعلة» أو «كيانات منقسمة» تمتلك في الواقع قدرة كبيرة على إعادة تنظيم نفسها حين تواجه ضغطاً خارجياً. وفي كثير من الحالات يؤدي التدخل العسكري إلى نتائج غير متوقعة، حيث يتحول الضغط الخارجي إلى عامل يوحد قوى اجتماعية كانت متباعدة في السابق.

هذا لا يعني أن الصراعات في المنطقة بسيطة أو أن نتائجها محسومة مسبقاً، بل يعني أن الواقع أكثر تعقيداً بكثير من الصور التي تنتجها الخطابات الأيديولوجية. فالمجتمعات ليست كيانات ثابتة، بل نظم اجتماعية متحركة تتغير استجاباتها مع تغير الظروف. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة تشكيلها من الخارج تصطدم في النهاية بقدرتها على التكيف وإعادة التوازن.

في نهاية المطاف يكشف تاريخ الحروب الحديثة في الشرق الأوسط وآسيا عن مفارقة أساسية: كلما ازداد التفوق العسكري للقوى الكبرى، ازداد في الوقت نفسه تعقيد الصراعات التي تخوضها. فالتكنولوجيا العسكرية قادرة على حسم المعارك، لكنها عاجزة عن حل المشكلات السياسية التي تولد الحروب. ولهذا السبب كثيراً ما تنتهي الحروب بنتائج تختلف جذرياً عن الأهداف التي أعلنتها في بدايتها.

إن الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من تحليل سعيد هو أن فهم العالم يتطلب تجاوز الثنائيات المبسطة التي تقسمه إلى شرق وغرب أو إلى حضارات متصارعة. فالتاريخ الإنساني أكثر تشابكاً من هذه التصنيفات. الثقافات تتداخل وتتبادل التأثير منذ قرون، والمجتمعات تتغير باستمرار بفعل التفاعل مع محيطها.

ولهذا فإن المستقبل لا يمكن أن يُبنى على فكرة صدام الحضارات، بل على الاعتراف بالتعدد والتداخل بين الثقافات. فالعالم المعاصر، رغم الصراعات التي يشهدها، أصبح أكثر ترابطاً من أي وقت مضى. والبديل عن الخطابات التي تغذي الحروب ليس إنكار الاختلافات بين المجتمعات، بل فهمها في سياقها التاريخي الحقيقي.

في هذا المعنى تبقى أطروحة إدوارد سعيد أكثر من مجرد نقد لمدرسة فكرية. إنها دعوة إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نرى بها العالم. فحين تتغير اللغة التي نصف بها الآخرين، تتغير أيضاً السياسات التي نبنيها تجاههم. وربما يكون هذا هو الدرس الأكثر أهمية في زمن تتكرر فيه الحروب: أن السلام لا يبدأ بالقوة وحدها، بل يبدأ أيضاً بطريقة الفهم التي تحكم نظرتنا إلى الآخر.