الأكل العاطفي في زمن الحرب… كيف نواجهه دون أن نخسر صحتنا؟
في أوقات الحروب، تتغيّر أولويات الحياة بشكل جذري، وتصبح النجاة وتأمين الأساسيات في مقدمة الاهتمامات، ما يدفع الكثيرين إلى إهمال جوانب صحية مهمة، وفي مقدمتها صحة المرأة. فمع الضغط النفسي الكبير، والنزوح، وتراجع الخدمات الطبية، تتحوّل بعض الاحتياجات الصحية الأساسية إلى ما يشبه “الكماليات”، رغم خطورتها على المدى القريب والبعيد.
يوضح اختصاصي الجراحة النسائية والتوليد والصحة الجنسية في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور فيصل القاق، أن الأنظمة الصحية خلال الحروب تركز غالبًا على الطوارئ والإصابات، ما يؤدي إلى تهميش الرعاية الشاملة، خاصة تلك المرتبطة بالصحة الإنجابية والنفسية. وفي لبنان، ومع تجاوز عدد النازحين المليون شخص، تتضاعف الضغوط على القطاع الصحي، ما يزيد من صعوبة تأمين خدمات متكاملة، خصوصًا للنساء.
تشير التقديرات إلى أن نحو نصف النازحين من النساء، وبينهن ما يقارب 150 ألف امرأة في سن الإنجاب، إضافة إلى آلاف الحوامل اللواتي يحتجن إلى متابعة طبية دقيقة. إلا أن ظروف الحرب قد تحول دون ذلك، ما يرفع من مخاطر الولادة المبكرة، أو الإجهاض، أو المضاعفات الصحية للأم والجنين، في ظل نقص الرعاية والمتابعة المنتظمة.
ومن التحديات البارزة أيضًا، الحمل غير المرغوب فيه، نتيجة صعوبة الوصول إلى وسائل تنظيم الأسرة، التي غالبًا لا تُعتبر أولوية في الأزمات مقارنة بالأدوية المزمنة أو خدمات الطوارئ. كما تعاني النساء من نقص في مستلزمات الصحة الشخصية، مثل الفوط الصحية، ما ينعكس سلبًا على صحتهن وكرامتهن في آنٍ معًا.
ولا تقل الصحة النفسية أهمية عن الجسدية، إذ تزداد معدلات التوتر والعنف في أوقات النزاعات، ما يجعل الحاجة ملحّة لتوفير جلسات دعم نفسي تساعد على التخفيف من الضغوط، خصوصًا أن إهمال هذه الجوانب قد يؤدي إلى تحوّل المشكلات المؤقتة إلى اضطرابات مزمنة.
كما يلفت القاق إلى أن الكشف المبكر عن الأمراض، مثل السرطان، غالبًا ما يتم تجاهله خلال الحروب، رغم أهميته في إنقاذ الأرواح. وقد أظهرت تجارب سابقة، مثل جائحة كورونا، أن تأجيل الفحوصات الدورية يؤدي إلى اكتشاف الأمراض في مراحل متقدمة، ما يزيد من صعوبة العلاج.
وفي ظل هذه التحديات، يؤكد الأطباء ضرورة إعادة التوازن في الأولويات الصحية، بحيث لا تقتصر على الاستجابة الطارئة فقط، بل تشمل أيضًا الرعاية الوقائية والنفسية. فصحة المرأة، سواء في أوقات السلم أو الحرب، ليست ترفًا يمكن تأجيله، بل عنصر أساسي في استقرار المجتمع واستمراريته.


