جنوبٌ للحياة لا الحروب

مارس 19, 2026 - 12:15
 0
جنوبٌ للحياة لا الحروب

 كتب كبريال مراد "ام تي في":

 "إمّا أن يكون الجنوب مثل كل لبنان، أو فليكن كل لبنان مثل الجنوب". عبارة استوقفتني عبر وسائل التواصل الاجتماعي في اليومين الماضيين، يعبّر فيها جنوبي عن الواقع الذي يراه، وتفسيره: "لا يمكن للبنان أن يبقى آمناً طالماً أن الجنوب يعاني من الحرب".
 
يدفعنا ذلك، في خضمّ الحرب وما تحمله من آلام وخسائر، لطرح سؤال أيّ جنوب نريد؟ والجواب، في جوهره، واضح وإن كان معقّداً في ضوء التصعيد الحاصل: نريد الجنوب كما نريد كلّ لبنان، مستقراً، مستقلاً، آمناً ومزدهراً، يعيش أهله بكرامة على أرضهم، لا ساحة مفتوحة للحروب، ولا صندوق بريد لتصفية حسابات الآخرين على أرضه وبين بيوت أبنائه.


نعم، يجب أن يكون الجنوب ككلّ لبنان، تحت سقف الدولة والقانون، وفي صلب اهتماماتها. فلقد علّمتنا التجارب، مراراً، أنّ الحروب لا تخلّف سوى الويلات. وهي لا تميّز بين منطقة وأخرى، ولا بين طائفة وأخرى، بل تصيب لبنان كلّه في أمنه واقتصاده واستقراره ومستقبل أبنائه. 


صحيح أنّه، وفي قلب هذه المأساة، يعيش كثير من أبناء الجنوب والضاحية، من طوائف مختلفة، تجربة النزوح المريرة، بعدما اضطرّوا إلى ترك بيوتهم وأرضهم وجنى عمرهم خلفهم. تركوا حقولهم ومصالحهم ومنازل تعبوا سنوات في بنائها، حاملين معهم قلقاً ثقيلاً على مصير ما تركوه وراءهم. فالنزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل اقتلاعاً مؤلماً من الأرض والذكريات، وامتحاناً قاسٍ للصمود في ظروفٍ إنسانيّة صعبة.
 
ولكن، لبنان كلّه يتألّم. والخوف مشروع وواقعي على مصير الكيان والجمهورية، وسط آلة الدمار الإسرائيلية، والتساؤلات عن قدرة الدولة اللبنانية على الصمود، كحضور ومؤسسات، إذا ما طالت الأزمة.


الدولة قصّرت في حق الجنوبيين نعم، كما قصّرت في حق اللبنانيين جميعاً. فقد تراجعت عن دورها الطبيعي، وتركت قرار الحرب والسلم بيد سواها، فيما كان الفساد ينهش مؤسّساتها ويقوّض قدرتها على حماية مواطنيها وتأمين الحدّ الأدنى من الاستقرار والعدالة لهم.
 
لكنّ "الدولة الضعيفة" اتخذت قراراً، وأعلنت نيّتها القيام بوظائفها الأساسيّة في لحظة يبدو فيها اللبنانيّون أحوج ما يكونون فيها إلى حضورها. وهي "شمّرت عن زنودها" والمطلوب الوقوف الى جانبها، والرضوخ لقراراتها، والتعويل على المسار الذي تتبعه في لحظة تضامن وطني لا لحظة سجال داخلي، بروح المسؤوليّة والتكافل، لا بروح الانقسام. ففي لحظات الخطر الكبرى، لا يكون الوقت لتبادل الاتهامات وتوزيع المسؤوليّات، بل لدرء الخطر، ووقف النار، والحفاظ على ما تبقى… وبعدها، لكلّ مسؤولية تقدير ومحاسبة وعبر.