جو كينت أوّل المنشقّين: الانقسام على «حرب ترامب» يتدحرج
كتبت ريم هاني في "الاخبار":
في عام 1966، تنحّى جورج بول، وكيل وزارة الخارجية في عهد الرئيس الأسبق ليندون جونسون، عن منصبه، بعد عام من المعارضة الداخلية لحرب فييتنام، والتي قال الرئيس دونالد ترامب يوماً إنه «لم يكن من محبّيها على الإطلاق». وفي عام 2003، غادر ريتشارد كلارك، الذي شغل منصب «قيصر مكافحة الإرهاب» في عهد جورج دبليو بوش، البيت الأبيض على خلفية قرار الإدارة غزو العراق، والذي انتقده، كذلك، ترامب، بلا هوادة، خلال مسيرته السياسية.
وأخيراً، و«بعد تفكير مُعمّق»، قرّر جو كينت، مدير «المركز الوطني لمكافحة الإرهاب» (NCTC)، في الـ17 من الجاري، تقديم استقالته، مؤكّداً، في رسالة نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، أن ضميره لم يعُد يسمح له بـ«تأييد الحرب على إيران»، باعتبار أن الأخيرة «لم تشكّل أيّ تهديد مُباشر لأمّتنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب نتيجة ضغوط من إسرائيل وجماعات الضغط الأميركية القوية التابعة لها». وأردف المسؤول، متوجّهاً إلى ترامب، أنه «حتى حزيران 2025، كنتم تُدرِكون أن الحروب في الشرق الأوسط كانت فخاً سلَب أميركا أرواح أبطالنا الأعزاء، واستنزف ثروات أمتنا وازدهارها، قبل أن يشنّ مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى وشخصيات مؤثّرة في الإعلام الأميركي حملة مضلّلة قوّضت تماماً شعاركم (أميركا أولاً)»، مشيراً إلى استخدام «هذه الدائرة المُفرغة لخداعكم وإيهامكم بأن إيران تُشكّل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة، وأنه في حال شنّ هجوم الآن، فسيكون هناك طريق واضح لتحقيق نصر سريع»، متابعاً: «كان هذا كذباً، وهو التكتيك نفسه الذي استخدمه الإسرائيليون لجرّنا إلى حرب العراق الكارثية التي كلّفت أمتنا أرواح آلاف من أفضل رجالنا ونسائنا. لا يمكننا تكرار هذا الخطأ». وعليه، دعا كينت، ترامب إلى التراجع وتغيير المسار، بدلاً من «السماح لنا بالانزلاق أكثر نحو التدهور والفوضى».
هكذا، أصبح كينت، وهو واحد من أبرز الموالين لترامب، والمؤيّدين لنظريات «مؤامرة» من مثل «تزوير الانتخابات» والتعامل مع وباء «كورونا»، «أوّل» المستقيلين من الإدارة على خلفية عدوان ترامب «غير الشرعي» على الأراضي الإيرانية. وعقب الاستقالة، انشغلت وسائل الإعلام باستعراض جوانب من «شخصية» المسؤول الأميركي وتاريخه، والتي تجعل من خطوته مؤشراً «استثنائياً» إلى حجم الانقسام الذي كان «يغلي بصمت»، طوال الأسابيع الثلاثة الماضية، في قاعدة ساكن البيت الأبيض.
وبمراجعة سيرة كينت، يتبيّن أنه كان جنديّاً سابقاً شارك في القتال 11 مرّة، وتزوّج أميركية قُتلت في سوريا في تفجير انتحاري في مدينة منبج السورية تبنّاه تنظيم «داعش»، الذي وصف المسؤول المستقيل الحرب عليه، في رسالته الأخيرة، بأن «إسرائيل فبركتها»، ما يجعله غير قادر على «تأييد إرسال الجيل القادم للقتال والموت في حرب لا تُحقّق أي فائدة للشعب الأميركي ولا تُبرّر التضحية بأرواح الأميركيين». وعقب تعيينه العام الماضي رسمياً في منصبه، اعتبرت السيناتور باتي موراي، وهي ديمقراطية من واشنطن، أن «الجمهوريين صوّتوا للتوّ على تعيين جو كينت، وهو من أنصار نظريات المؤامرة وله آراء عنصرية بيضاء، مسؤولاً عن مكافحة الإرهاب». ويُعدّ كينت أيضاً مقرّباً من تولسي غابارد، رئيسة المخابرات الانعزالية، والتي كان صمتها «لافتاً» بشكل ملحوظ منذ بدء العدوان الأميركي - الإسرائيلي في 28 شباط.
ويُضاف إلى ذلك، أن لكينت صلات بجماعة «براود بويز» أو «الأولاد الفخورون»، وهي جماعة يمينية متطرّفة جلّ أعضائها من الذكور فقط، ويصفها البعض بأنها مناصرة لأيديولوجية الفاشية الجديدة و«الدفاع عن القيم الغربية» و«رفض الاعتذار عن خلق العالم الحديث». كما أن هذه الجماعة مؤيّدة لتوجّهات ترامب، ومتورّطة في الترويج لـ/ والمشاركة في العنف السياسي في الولايات المتحدة، فيما العديد من أعضائها ينتمون إلى جماعات سيادة العرق الأبيض، وهو حدا بمجتمع الاستخبارات الأميركي إلى وصفهم «بأخطر مجموعة متعصّبة للبيض».
وإذ لم تثنِ كلّ تلك الصفات المسؤول الأميركي عن الاستقالة على ضوء الحرب على إيران، رأى بعض المراقبين والمسؤولين في الإدارة، من مثل النائب مايكل ماكول (جمهوري، تكساس)، في قرار المسؤول الاستخباراتي الكبير، مؤشراً إلى الانقسام داخل الحزب الجمهوري. وقال ماكول، الرئيس السابق للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، في مقابلة مع «نيوز نايشن»، إن بيان كينت ينمّ عن «انقسام أيديولوجي» في الحزب الجمهوري بشأن العملية العسكرية، مشيراً في المقابل، إلى أنه «لا يوافق على تقييم المسؤول الاستخباراتي».
وبطبيعة الحال، سرعان ما أصبح كينت «منبوذاً» من ترامب وبعض المسؤولين في إدارته؛ إذ قال الأول للصحافيين: «اعتقدتُ دائماً أنه رجل لطيف، لكنني اعتقدت دائماً أنه ضعيف في ما يتعلّق بالأمن»، مضيفاً: «من الجيد أنه خرج لأنه قال إن إيران لا تشكّل تهديداً». كما وصف حلفاء ترامب، كينت، بأنه شخص «لا ينبغي أن يؤخذ على محمل الجدّ، ويُنظر إليه على نطاق واسع على أنه فاشل»، على الرغم من أنه كان يتولّى واحدة من أهم الوظائف في الأمن القومي. ومن بين هؤلاء، وصف رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، المسؤول المستقيل، بأنه كان «بعيداً عن الواقع».
على أن مثل تلك الآراء لم تنسحب على المسؤولين الأميركيين كافة. فمن جهتها، اعتبرت النائبة السابقة، مارغوري تايلور غرين، وهي من أوائل مؤيّدي «ماغا» التي انشقّت ثمّ استقالت من مقعدها كممثّلة جورجيا، أن كينت «بطل أميركي عظيم». كما أكّد السيناتور راند بول (جمهوري، كنتاكي) أنه لا يعتقد أن «أحداً يشكّك في التزام جو كينت تجاه الولايات المتحدة ودفاعنا الوطني»، مشيراً إلى أن «أصواتاً مثل صوته تحذّر من التورط بشكل مفرط في حروب الشرق الأوسط كانت جيدة». ويأتي ذلك في وقت دأب فيه مؤثّرون موالون لترامب، من مثل تاكر كارلسون وميغين كيلي على انتقاد قرار شنّ حرب أخرى في الشرق الأوسط.
وعليه، يبدو أن انقسام قاعدة ترامب بدأ يَخرج إلى العلن، بعدما قلبت الحرب على إيران المنطقة رأساً على عقب، وحوّلت ممراً ملاحياً رئيساً «إلى موقف فارغ للسيارات»، ما أدّى إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير. كما كشفت هذه الحرب أن معظم حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا مستعدّين للمساعدة في حملة لم يوقّعوا عليها، فيما لا يزال النظام الإيراني، على الرغم من ذلك كلّه، «صامداً».
وطبقاً لتقرير نشرته مجلة «تايم» الأميركية، فإن المسؤول الاستخباراتي لن يكون «آخر المنشقّين»؛ إذ تنقل المجلة عن منتقدين سابقين لكينت ممّن اتهموه، منذ فترة طويلة، بـ«تسييس الاستخبارات»، قولهم إنّه «كان على حق» في هذه القضية بالذات. وقال السيناتور مارك وارنر، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات: «إنه على حق في هذه النقطة: لم يكن هناك دليل موثوق على وجود تهديد وشيك من إيران من شأنه أن يبرّر دفع الولايات المتحدة إلى حرب اختيارية أخرى في الشرق الأوسط». ومن جهته، رأى النائب جيم هايمز (ديمقراطي، كونيتيكت)، عضو لجنة المخابرات في مجلس النواب، أنه «على الأقلّ، هناك شخص ما في هذه الإدارة على استعداد للتمسك بمبادئه». وطبقاً للتقرير، وفي حين أن معظم قاعدة ترامب قد ظلّت ملتفّة حوله حتى الآن، فإن انشقاق كينت قد يكون علامة مبكرة على أن جزءاً كبيراً من أتباع «ماغا» يفقدون إيمانهم به، «ويتساءلون عما حدث للانعزالي الذي صوّتوا له».
وعلى الرغم من المؤشرات المتزايدة إلى الدور الذي أدّته إسرائيل في جرّ حليفتها إلى حرب استنزاف جديدة في الشرق الأوسط، فإن العديد من المراقبين يرفضون تصوير الرئيس الحالي على أنه «ضحية» سوء تقدير، مشيرين إلى أن شخصيته لطالما شكّلت «أرضية خصبة» لزعزعة الاستقرار حول العالم. وفي هذا الإطار، يرد في تقرير نشرته مجلة «ذي أتلانتيك»، أنه بسبب «عدم قدرة مُوالِي ترامب على التفكير بأن رئيسهم نفسه قد فشل»، فهم يصرّون على أن «الخيانة أو التلاعب» هما وحدهما قادران على تفسير «الكوارث المستمرة» التي يرونها.
وطبقاً لأصحاب الرأي المتقدّم، فإن التفسير «الأكثر وضوحاً لعدوانية ترامب في ولايته الثانية هو أنه مخمور بالسلطة»؛ إذ إنه بعد فوزه في انتخابات عام 2024 مباشرة، برزت «دوافعه لإخضاع الدول الأقلّ قوة»، بعدما هدّد بالاستيلاء على كندا وقناة بنما وغرينلاند. كما أن ترامب أطلق على وزارة الدفاع اسم «وزارة الحرب»، في مؤشر «إلى تراجع رغبته في السلام»، وذلك قبل أن يقصف السفن في منطقة البحر الكاريبي، ثمّ إيران، ويشنّ انقلاباً في فنزويلا، ويهدّد بالحرب في غرينلاند مرة أخرى، وصولاً إلى خوضه الحرب مع إيران. ويعني كلّ ما تقدّم، أن المسألة لا تحتاج إلى إلقاء «اللوم على إسرائيل» لفهم أسباب الحروب التي قد نشهدها في عهد الرئيس الحالي.


