بين الخوف والحرية: هل يجب على الأهل مراقبة حسابات أبنائهم؟

في عالم رقمي سريع، يجد الأهل أنفسهم أمام سؤال صعب: متى وكيف نسمح لأطفالنا باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي؟ بين الحماية والخصوصية،نناقش دور الأهل في مراقبة حسابات أبنائهم، وتأثير السوشيال ميديا على صحتهم النفسية وتوازنهم اليومي.

يناير 30, 2026 - 14:02
 0
بين الخوف والحرية: هل يجب على الأهل مراقبة حسابات أبنائهم؟

 

هيا تملك حسابًا على إنستاغرام… من دون علم والدتها.
تتنقّل بين الصور والقصص كمن يمشي على حبلٍ رفيع، تخفي هاتفها سريعًا، وتحفظ كلمة السر أكثر مما تحفظ دروسها.

أما صفا، فقصتها مختلفة.
تنتظر نهاية العام الدراسي، وتعدّ الأيام بلهفة. وعدٌ واضح من أهلها: النجاح أولًا، ثم حساب على تيك توك. ترى في المنصّة مساحة حلم، لا سرًّا مخفيًا، وتتعامل معها كمكافأة لا كملجأ.

بين هيا وصفا، تتكشّف حكايتان لطفولتين في زمن السوشيال ميديا:
واحدة دخلت العالم الرقمي خلسة،
وأخرى تنتظره بشروط.

في زمنٍ يتعلّم فيه الأطفال التكنولوجيا أسرع من ذويهم، يجد كثير من الآباء أنفسهم أمام معادلة معقّدة: كيف نمنح أبناءنا حقّهم في التواصل والانفتاح، من دون أن نتركهم فريسة لمخاطر لا يدركون أبعادها بعد؟

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرّد منصّات ترفيه، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية للأطفال والمراهقين، ووسيلة أساسية للتفاعل مع الأصدقاء وبناء الانتماء. بالنسبة لبعض الأطفال، خصوصًا من يشعرون بالعزلة، قد تكون هذه المنصّات نافذة للتواصل والدعم. لكن الوجه الآخر للصورة لا يقلّ خطورة: الإدمان، المقارنات القاسية، التنمّر، تآكل الثقة بالنفس، وأحيانًا الانزلاق إلى محتوى لا يتناسب مع أعمارهم أو حالتهم النفسية.

ضغط اجتماعي… وقلق أبوي

غالبًا ما تبدأ مطالب الأطفال بإنشاء حسابات على وسائل التواصل في نهاية المرحلة الابتدائية وبداية الإعدادية. هنا يشعر الأهل بضغطٍ حقيقي: الخوف من أن يشعر الطفل بالعزلة إذا كان “آخر من يدخل”، مقابل الخوف الأكبر من تعرّضه للأذى النفسي أو السلوكي.
تأجيل الدخول إلى هذا العالم الرقمي قد يمنح الطفل نضجًا أكبر، وقدرة أفضل على فهم ما ينشره الآخرون وما ينشره هو، وعلى مقاومة الإغراء الإدماني الذي صُمّمت هذه المنصّات لأجله.

هل العمر وحده معيار كافٍ؟

لا ينضج الأطفال بالوتيرة نفسها. قد يكون طفل في الثالثة عشرة أكثر وعيًا واتزانًا من مراهق في السابعة عشرة. الاستعداد لا يُقاس بالعمر فقط، بل بالقدرة على ضبط الانفعالات، فهم الإشارات الاجتماعية، التعامل مع النقد، والقدرة على التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية.
طفل يجد صعوبة في ترك ألعاب الفيديو أو الانفصال عن المحفّزات السريعة، قد يكون أكثر عرضة للانغماس المفرط في وسائل التواصل.

المرافقة لا المنع

يتفق المختصون على أن إشراف الأهل لا يعني التجسس أو القمع، بل المرافقة الواعية. الحديث المسبق عن ما هو مقبول وما هو مرفوض، تصفّح الحسابات مع الطفل، مناقشة ما ينشره الآخرون، ووضع قواعد واضحة منذ البداية.
كما أن تعليم الطفل التوازن بين الدراسة، الرياضة، العلاقات الواقعية، ووسائل التواصل لا يقل أهمية عن تعليمه قواعد النشر والخصوصية.

القواعد… والعواقب

تضع بعض العائلات حدودًا واضحة: من يمكن التفاعل معه، نوع المحتوى المسموح، وحتى الحدّ من صور “السيلفي” التي قد تحوّل الطفل إلى موضوع دائم للحكم على شكله ومظهره.
الأهم أن تكون هناك عواقب معروفة ومُتّفق عليها عند خرق القواعد، لا كعقاب مفاجئ، بل كجزء من تحمّل المسؤولية.

الرقابة الأبوية: أداة أم بديل؟

وفّرت المنصّات الكبرى أدوات للرقابة الأبوية، من تحديد وقت الاستخدام، إلى تقييد المحتوى والتعليقات والرسائل. هذه الأدوات قد تكون داعمة، لكنها لا تُغني عن الحوار والثقة.
فحتى أقوى أنظمة الرقابة لا تستطيع وحدها حماية طفل يعاني أصلًا من قلق أو اكتئاب، خاصة وأن الخوارزميات قادرة على “مجاراة” الحالة النفسية وتعزيزها بمحتوى مشابه.

بالنسبة للأطفال الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو ضغوط عاطفية، يصبح استخدام وسائل التواصل عامل خطر إضافي. المحتوى الذي “يفهم” مزاجهم قد يعمّق المشكلة بدل أن يخففها، ما يجعل المتابعة الدقيقة والحوار المفتوح ضرورة لا خيارًا.

في النهاية، لا يبدو السؤال الحقيقي هو: هل نسمح لأطفالنا باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي أم لا؟
بل: كيف نرافقهم في هذا العالم؟ وأين ينتهي الإشراف الصحي ويبدأ التعدّي على الخصوصية؟

برأيك، هل مراقبة الأهل لحسابات أبنائهم على وسائل التواصل ضرورة تربوية لحمايتهم، أم أنها انتهاك لثقتهم ومساحتهم الخاصة؟ وأين تضع أنت الخط الفاصل بين الحماية والسيطرة؟