مناقشات الموازنة أظهرت مخاطر إهمال الوضع المعيشي.. الأولويات الرسمية لا تُطعم جائعاً ولا تُعالج مريضاً

يناقش مقال غاصب المختار في جريدة اللواء اعتراض غالبية النواب على موازنة لبنان 2026، مسلطًا الضوء على تجاهل الحكومة للأولويات المعيشية والاجتماعية كالفقر، البطالة، الصحة، التعليم، واستعادة أموال المودعين، مقابل التركيز على عناوين سياسية وأمنية، ما يهدد باستقرار اجتماعي خطير.

يناير 30, 2026 - 08:04
 0
مناقشات الموازنة أظهرت مخاطر إهمال الوضع المعيشي.. الأولويات الرسمية لا تُطعم جائعاً ولا تُعالج مريضاً

 كتب غاصب المختار في "اللواء":

 ظهر في مداخلات نواب الأمة خلال جلسة مناقشة مشروع الحكومة لموازنة العام 2026 ان الأغلبية منهم يعارضون هذه الموازنة، برغم تعديلات لجنة المال وإضافة 20 مادة عليها، ولعلّ تركيز أغلب النواب على مواضيع حسّاسة سياسية وأمنية مثل تعثّر الحكومة في الكثير من المواضع المهمة وحصرية السلاح، لم يُلغِ مواضيع أساسية آثارها النواب لم تتم معالجتها بعد، ومنها: مكافحة الفساد والفقر والبطالة، وعدم إعادة أموال المودعين والأموال المهرّبة للخارج، وإعادة إعمار ما هدّمه العدو الإسرائيلي، وإدارة التعيينات الإدارية، وتعزيز التربية والتعليم والنقل والاسكان الرسمي، ومعالجة قضية هجرة الشباب وموضوع قانون الايجارات والأبنية القديمة المتصدّعة التي قد تنهار في أي لحظة. عدا القضية الأهم وهي تعزيز القطاع الصحي الرسمي حتى لا يموت المزيد من المواطنين على أبواب المستشفيات، وعدم معالجة عجز الموازنة الدائم الذي ينعكس على التقديمات المعيشية، وعدم إنجاز قطع حسابات بعض الموازنات عن الأعوام السابقة.

وهذه المواضيع لا تتحمّلها كلها حكومة الرئيس نواف سلام بل هي نتيجة تراكمات سنين طويلة من إدارة الظهر للقضايات المعيشية والاجتماعية والصحة والتربوية وغيرها، لكن هذه المناسبة بالذات كان يفترض أن تعالج بعض هذه الأزمات، لا سيما مع وصول الكثير من الهبات والأموال للحكومة، لكن يبدو ان أولوياتها مختلفة عمّا يريده الناس. فليس بحصر السلاح ولا بأرقام مالية تطير في الهواء، ولا بتحقيق بعض الإصلاحات المالية والإدارية يحيا الإنسان اللبناني، وصرخات المتظاهرين خارج قاعة المجلس النيابي دليل على معاناة شرائح كثيرة من المجتمع، عدا شرائح أخرى تعاني لا تتظاهر ولا تقطع الطرقات ولا يُسمع لها صوت.


وإذا كانت مواضيع حصر السلاح وإقرار الموازنة وإنجاز الإصلاحات وغيرها مما تتصدّى له حكومة سلام هي ضرورة، لكن ثمة ضرورة أكبر لمعالجة الوضع المعيشي والاجتماعي للناس، وهو أمر حيوي للإستقرار الداخلي لأنه يهدّد في كل لحظة بإنفجار اجتماعي - معيشي خطير، ينعكس بلا شك على عمل الحكومة والإدارات الرسمية وقد ينعكس على الوضع الأمني إذا انفجر في الشارع. لكن يبدو ان الاهتمام الرسمي والسياسي الآن منصب على أمور أخرى لا تغني فقيراً ولا تُطعم جائعاً، ولا تعيد الأطفال الى مدارسهم بعد ارتفاع حجم التسريب المدرسي نتيجة العجز عن دفع الأقساط المدرسية. ولا تعيد الأموال الضائعة، ولا تعيد مهجّراً الى مسكنه أو قريته، ولا تعطي المواطنين حقوقهم.


لا شك ان المشكلات ضخمة أمام الحكومة الحالية، لكن وضع أولويات سياسية بجوهرها وأهدافها على حساب أولويات احتياجات الناس، فيه نوع من التهرّب الرسمي عن واجب الدولة الأول في أن تكون راعية للمواطنين ومسؤولة بشكل حصري عن كفايتهم وكرامتهم وإنسانيتهم، لكن مشكلة الدولة اللبنانية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، هي في الاستماع الى مطالب دول الخارج وتلبية طلباتها، وسدّ الأذن عن مطالب الداخل وتجاهل تحقيق الكثير منها.


والمسؤولية لا تقع فقط على الحكومة الحالية أو الحكومات السابقة، بل أيضاً على المجلس النيابي الحالي والمجالس السابقة، التي تعاطت بخفّة وإهمال أحياناً مع مطالب الناس المعيشية والاجتماعية والحياتية، وكل ما جرى كان بمثابة «ترقيع» كما قال أحد النواب خلال الجلسة، وقد استغلّ العديد من النواب منبر مجلس النواب للخوض في أمور شعبوية وانتخابية ضيقة، بدل تناول الأمور الأساسية التي تهمّ حياة الناس. وعليه تقع على المجلس الحالي مسؤولية تصحيح المسار وتوجيه البوصلة الرسمية نحو القضايا المعيشية والحياتية، ولا سيما ان معظم النواب الحاليين هم على أبواب انتخابات جديدة وقد يفيدهم للعودة الى مقاعدهم إرضاء مطالب الناخبين المهمّشين للحصول على أصواتهم.