الرفاعي: الحروب المفتوحة توسّع دائرة الفوضى وتستنزف شعوب الإقليم
اعتبر مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ بكر الرفاعي أن "الإسراء والمعراج ليسا حدثًا تاريخيًا يُستذكر، بل قانونًا ربانيًا في حركة الأمم: فلا معراج بلا إسراء، ولا نصر بلا صبر، ولا فتح بلا ابتلاء يمحّص النفوس ويعيد ترتيب القيم".
وتابع في خطبة الجمعة: "قبل أن يُكرم الله نبيَّه بالإسراء، أحاطت به الآلام من كل جهة: حصار وتجويع، فقد الأحبة، وانسداد الآفاق، ليعلّم الأمة أن السماء لا تُفتح إلا بعد أن تُغلق أبواب الأرض".
وأشار إلى أن "الصبر في المنظور القرآني ليس سكونًا ولا ضعفًا، بل طاقة روحية تُحوّل الانكسار إلى وعي، والوجع إلى مشروع، والانتظار إلى إعداد طويل للنصر".
وأضاف: "من القدس بدأ المعراج، وكأن الوحي يقرّر أن هذه البقعة ليست هامشًا في العقيدة، بل مركزٌ للرسالة، ومفصلٌ في الصراع، وعنوانٌ لهوية الأمة وذاكرتها الإيمانية. وانطلاق المعراج من المسجد الأقصى يؤكد أن القدس ليست قضية طارئة أو عاطفية، بل مركزٌ في الوعي السياسي والعقدي للأمة، وأي مشروع سياسي يتجاهلها يفقد شرعيته الأخلاقية والتاريخية".
ورأى أن "اصطفاف الأنبياء خلف النبي ﷺ يرسّخ مفهوم القيادة الرسالية، حيث تستمد السلطة مشروعيتها من القيم والمبادئ، لا من السلاح أو المال أو الغلبة الموقتة.استئذان جبريل عند أبواب السماوات يقدّم درسًا سياسيًا في احترام النظام والمؤسسات، وأن العمل المنظّم المتدرّج هو أساس بناء الدول واستعادة الحقوق، لا الفوضى وردّات الفعل".
وقال: "جاء الإسراء بعد مرحلة قاسية من الحصار والاضطهاد، ما يعلّم أن التحولات الكبرى تحتاج صبرًا طويل النفس، وإدارة واعية للزمن، لا استعجالًا يبدّد الطاقات. اجتماع الأنبياء في الأقصى رسالة بأن القضايا المصيرية لا تُدار بالتشرذم، وأن وحدة الصف والرؤية شرط لأي انتصار سياسي، بينما الخلاف الداخلي طريق أكيد للهزيمة".
ولفت إلى أن "عدم إدراج فلسطين في كتاب الجغرافيا الذي توزّعه الأونروا مقابل تكريس الكيان الصهيوني كدولة قائمة ليس تفصيلًا تربويًا عابرًا، بل خطوة سياسية ناعمة تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي وترسيخ سردية مفروضة عبر التعليم، ما يجعل المعركة على المناهج جزءًا لا يتجزأ من معركة الأرض والهوية".
وأكد أن "المسعى العربي والإسلامي لتنظيم شؤون أهل غزة وفلسطين وتثبيتهم في أرضهم يمثّل موقفًا سياديًا وأخلاقيًا، لأن التهجير ليس حلًا إنسانيًا بل مشروع اقتلاع، ومواجهته حماية للقضية ومنع لتحويل الجريمة إلى أمر واقع".
وأردف: "التدخلات العربية التي أسهمت في منع ضربة أمريكية على إيران، فتدلّ على محاولة جادة للحد من تغوّل القوى الكبرى في المنطقة، وإدراك متنامٍ بأن الحروب المفتوحة لا تنتج استقرارًا بل توسّع دائرة الفوضى وتستنزف شعوب الإقليم".
وأشار إلى أن "الكيان الصهيوني أثبت عبر تاريخه وممارساته، أنه لا يحترم عهدًا ولا يلتزم بمواثيق، وأن الوقوف الجماعي في وجهه هو عين العقل السياسي، لأن مشروعه قائم على الهيمنة، ونهب الثروات، والتحكّم بمصير المنطقة، بدعم من قوى دولية ترى في هذا الكيان أداةً لتحقيق مصالحها".
واعتبر أن "الجماعة الإسلامية في لبنان تبرز كنموذج وطني واضح، قدم عبر مؤسساته الاجتماعية والتربوية والخيرية مثالًا حيًّا على العمل المنظّم والمسؤول، والتزم على مدى عقود بالقوانين اللبنانية، واحترام العيش المشترك، والمشاركة الإيجابية في الحياة العامة دون خروج عن الأطر القانونية أو تهديد للاستقرار الأهلي".


