البخل داخل البيت: القصة التي لا يرويها الأزواج!
تحقيق اجتماعي يناقش البخل داخل الزواج، حين يضنّ الزوج على زوجته بالمال والدعم، ويكشف كيف يتحوّل الحرص المالي إلى سلوك يؤثر على الشراكة والأمان العاطفي داخل الأسرة.
تروي سيدة، بصوتٍ يشبه الاعتراف، أن زوجها قال لها يومًا: «حاولي أن تؤمّني وجبتك لهذا اليوم في العمل»، بينما هو قادر على تأمين وجبات جاهزة له ولأولاده دون تردد. وتضيف أخرى أنها اضطرت لطلب مبلغ بسيط على سبيل السَّلَف، على أن تعيده نهاية الشهر فور قبض مستحقاتها من عملها، لكنه رفض. عند هذه النقطة، يبرز سؤال اجتماعي وأخلاقي حساس: هل من المقبول أن تستدين الزوجة من زوجها؟
في الإطار الطبيعي للعلاقة الزوجية، المال ليس مجرد وسيلة تبادل، بل جزء من الشراكة والمسؤولية المشتركة. الزواج، في جوهره، يقوم على التكافل لا على المحاسبة، وعلى الشعور بالأمان لا على القلق. عندما تضطر الزوجة إلى التفكير في الاستدانة من زوجها لتغطية احتياجاتها الأساسية، فهذا يشير غالبًا إلى خلل أعمق من مجرد ضائقة مالية عابرة، خلل في مفهوم المشاركة نفسه.
من الناحية الاجتماعية، لا يُنظر إلى طلب الزوجة مالًا من زوجها سواء كان نفقة أو مساعدة مؤقتة باعتباره دينًا بالمعنى المتعارف عليه. فالزوج، وفق الأعراف والقوانين وحتى القيم الدينية، شريك ومسؤول، لا دائن. تحويل العلاقة إلى معادلة “أقرضني وأُعيد لك” يغيّر طبيعتها من علاقة دعم إلى علاقة مشروطة، ويزرع شعورًا بالهشاشة وعدم الأمان لدى الطرف الأضعف اقتصاديًا.
الرجل البخيل لا يمكن اختزاله في كونه شخصًا قليل الإنفاق فقط. البخل في جوهره سلوك متشعب، يمتد من المادة إلى المشاعر، ومن المصروف اليومي إلى الوقت والاهتمام. هو رجل يتعامل مع المال كقيمة مطلقة، يخشى فقدانها، ويشعر بالتهديد عند أي التزام مادي، حتى وإن كان بسيطًا أو ضروريًا. هذا القلق الدائم ينعكس على علاقته بشريكته، فتشعر تدريجيًا بأنها مطالبة بالتبرير، أو بالانتظار، أو بالاكتفاء بالقليل.
ممارسات يومية:
في الحياة اليومية، يظهر هذا السلوك عبر حرصٍ مبالغ فيه لا يتناسب مع الواقع. قد يمتلك القدرة المالية، لكنه يتردد طويلًا قبل أي إنفاق، ويتعامل مع المصاريف وكأنها خسائر لا ضرورة لها. حتى في المناسبات التي يفترض أن تحمل طابعًا عاطفيًا، مثل الأعياد أو الخطوبة، يصبح تقديم الهدايا أمرًا ثقيلًا، يُختصر غالبًا في خيارات رمزية أو مؤجلة، وكأن التعبير المادي عن الاهتمام ترف غير مبرر.
ومع الوقت، تتضح الصورة أكثر في المواقف الاجتماعية. الرجل البخيل يميل إلى الانسحاب من أي نشاط يتطلب مشاركة مالية، ويتجنب الدعوات، أو يقترح دائمًا الخيارات الأقل تكلفة، حتى لو كانت غير مناسبة. لا يبحث عن التوازن بين السعر والقيمة، بل يضع التوفير كهدف بحد ذاته، ولو كان على حساب الجودة أو الراحة أو حتى متعة المشاركة.
هذا السلوك لا يتوقف عند حدود العلاقة الثنائية، بل يمتد إلى محيطه الأوسع. غالبًا ما يُلاحظ أن الرجل البخيل قليل المبادرة في المساعدة أو التبرع، ليس فقط ماديًا، بل حتى معنويًا. يتعامل مع احتياجات الآخرين باعتبارها عبئًا إضافيًا، ويبرر ذلك بانشغاله أو ضغوطه الخاصة، ما يترك انطباعًا واضحًا بعدم الاكتراث.
بين البخل و الحرص :
في المقابل، تبرز أهمية التمييز بين البخل والحرص. فليس كل من يدير أمواله بحكمة بخيلًا. الرجل الحريص ينفق بوعي، يوازن بين الجودة والسعر، ويعرف متى يكون الإنفاق ضرورة لا عبئًا. الفارق الجوهري أن الحريص لا يجعل المال حاجزًا بينه وبين من يحب، بينما يسمح البخيل للمال بأن يتحكم في شكل علاقاته وحدودها.
خلال فترة الخطوبة، تظهر هذه الفوارق بوضوح أكبر. النقاشات المتكررة حول المصاريف، التهرب من الحديث عن التزامات المستقبل مثل تجهيز المنزل أو الزفاف، الإصرار على تقسيم كل فاتورة، والتدخل في طريقة إنفاق الشريكة، كلها إشارات لا يمكن تجاهلها. قد تبدو في البداية حرصًا منطقيًا، لكنها مع التكرار تتحول إلى نمط يصعب التعايش معه.
السؤال الذي يتكرر في ذهن الكثير من النساء هو: هل يمكن أن يتغير الرجل البخيل؟ من منظور اجتماعي ونفسي، يُعد البخل سمة شخصية راسخة أكثر منه سلوكًا عابرًا. قد تتغير الظروف، وقد يتحسن الدخل، لكن طريقة التفكير المرتبطة بالخوف من الإنفاق غالبًا ما تبقى، ما لم يكن هناك وعي ذاتي ورغبة حقيقية في التغيير.
في مثل هذه العلاقات، لا يكون المال هو المشكلة الحقيقية، بل ما يمثله. فالعطاء ليس رقمًا يُدفع، بل إحساس بالمشاركة، بالأمان، وبأن العلاقة مساحة مشتركة لا معادلة حسابية. الزواج، في جوهره، لا يحتاج ثروة بقدر ما يحتاج سعة صدر ومرونة نفسية وقدرة على العطاء دون شعور بالخسارة.
في النهاية، تبقى فترة الخطوبة فرصة ثمينة للرؤية الواضحة. التفاصيل الصغيرة التي تُهمَل اليوم، قد تتحول غدًا إلى عبء ثقيل. والاختيار الواعي لا يقل أهمية عن الحب، بل يحميه، ويمنحه فرصة الاستمرار دون أن يتحول المال إلى اختبار يومي للعاطفة.


