حين يصبح الزمن، والحب، والطبيعة، والذاكرة أعداء للرأسمالية
كتب باسم الموسوي:
لم تعد الرأسمالية، في طورها الإمبراطوري المتأخر، نظامًا اقتصاديًا فحسب، بل أصبحت منظومة شاملة لإدارة الوجود نفسه. لم يعد الأمر يتعلق بتنظيم العمل أو توزيع الثروة، بل بضبط الزمن، توجيه الرغبة، تسليع الطبيعة، وتفكيك الروابط التي تمنح الإنسان معنى خارج السوق. الإنسان المعاصر لا يُستغل فقط في وقته الإنتاجي، بل يُعاد تشكيل وعيه بحيث يرى حياته كلها بوصفها مشروعًا يجب تحسينه، وتسريع إيقاعه، وقياس قيمته. هنا لا يعود الزمن أفقًا للمعنى، بل عدوًا ينبغي السيطرة عليه، ولا يعود الحب علاقة اعتراف، بل تجربة استهلاك، ولا تعود الطبيعة كيانًا حيًا، بل مخزونًا، ولا يعود التاريخ ذاكرة جماعية، بل سردية تديرها السلطة.
ضمن هذا الأفق تظهر خمسة كتب تبدو ظاهريًا متباعدة في موضوعاتها: تأملات في الزمن، أطروحة عن الحب، كتاب عن الشتاء، ملحمة بحرية استعمارية، ونص عن حكمة الشعوب الأصلية والطبيعة. غير أنّ ما يجمعها ليس موضوعها المباشر، بل ما تفعله على مستوى أعمق: كل واحد منها يفضح، بطريقته الخاصة، أحد أعمدة السيطرة الأنطولوجية التي تقوم عليها الرأسمالية الحديثة. هذه ليست كتبًا نقدية بالمعنى الإيديولوجي، لكنها نصوص مقاومة وجودية، تكشف ما تم قمعه، تشويهه، أو نسيانه كي يعمل النظام.
في قلب هذه البنية يقف الزمن. ليس الزمن الفيزيائي، بل الزمن الوجودي كما يُختبر. في Meditations for Mortals يقوّض أوليفر بوركمان أحد أعمدة الحداثة النفسية: الوهم بأن الحياة يمكن ترتيبها، السيطرة عليها، وإدارتها إذا امتلكنا أدوات كافية. هذا الوهم ليس بريئًا؛ إنه التعبير النفسي لنظام يحتاج إلى ذوات ترى وجودها كمهمة غير منتهية، مشروعًا يجب إنجازه، لا حياة تُعاش. الإنسان الحديث لا يشعر بالذنب لأنه أخطأ، بل لأنه لم يُحسِن إدارة وقته، لم يستثمر طاقته، لم يبلغ النسخة المثلى من ذاته. الزمن هنا يتحول إلى سلعة نادرة، وكل دقيقة غير مستثمرة تُقرأ كخسارة. هكذا تُستعمر الحياة من الداخل.
بوركمان يضرب هذا المنطق في أساسه حين يقول إن الحياة لن “تُحلّ” أبدًا. ليس لأننا كسالى أو عاجزون، بل لأن الوجود نفسه ليس مسألة إدارية. القلق الوجودي الذي نعيشه ليس خللًا نفسيًا بل نتيجة منطقية لثقافة وعدتنا بإمكانية السيطرة الكاملة على الحياة، ثم حمّلتنا الذنب حين فشلنا. في هذا المعنى، رفض السيطرة ليس استسلامًا، بل تحررًا: استعادة للزمن بوصفه أفقًا للعيش لا موردًا للاستخراج. الزمن الذي لا يُقاس بالإنتاجية هو زمن خطر على الرأسمالية، لأنه يعيد للإنسان إحساسه بالمحدودية، أي بحقيقته.
لكن الزمن وحده لا يكفي لضبط الوجود. الرغبة يجب أيضًا أن تُعاد صياغتها. هنا تدخل bell hooks بكتابها All About Love، الذي يبدو للوهلة الأولى خطابًا أخلاقيًا عن العلاقات، لكنه في العمق تفكيك جذري لأحد أخطر أوهام الحداثة: أن الحب شعور، تجربة داخلية، أو حالة نفسية. حين يُختزل الحب إلى عاطفة، يصبح قابلًا للاستهلاك، للتبديل، وللإنهاك. الرأسمالية تحتاج هذا التعريف، لأنه يسمح بتحويل العلاقات إلى أسواق، والشركاء إلى خيارات، والحميمية إلى منتج.
bell hooks تعيد تعريف الحب كفعل: رعاية، التزام، معرفة، ومسؤولية. الحب بهذا المعنى ليس حالة شعورية بل ممارسة أخلاقية. وهذا بالضبط ما يجعله مقلقًا للسلطة. فالحب كالتزام يخلق روابط لا يمكن تسليعها بسهولة، ويؤسس لذوات لا تُختزل إلى أفراد منافسين في سوق العلاقات. مجتمع بلا حب، أو بحب مختزل إلى رغبة، هو مجتمع يمكن حكمه بسهولة، لأن أفراده معزولون، جائعون للاعتراف، ومستعدون لتعويض هذا الجوع بالاستهلاك. الحب، حين يُستعاد كفعل، يصبح تهديدًا مباشرًا لمنطق السوق، لأنه يعيد بناء روابط لا تقوم على التبادل القيمي بل على العطاء المتبادل.
إذا كان بوركمان يعيد للزمن حدوده، وhooks تعيد للحب عمقه الأخلاقي، فإن Val McDermid في Winter تفعل شيئًا أكثر هدوءًا وأخطر: تعيد الاعتبار للزمن الميت، للزمن غير المنتج. الشتاء، في هذا الكتاب، ليس فصلًا بل حالة وجودية. إنه زمن الانسحاب، التوقف، والبطء. في ثقافة ترى في كل سكون خسارة، يصبح الشتاء شكلًا من أشكال العصيان. الرأسمالية لا تحتمل الفصول التي لا تُثمر، الأوقات التي لا تُنتج، اللحظات التي لا تُستثمر. كل شيء يجب أن يكون في نمو دائم، حتى الإنسان.
لكن الحياة، كما تذكّرنا McDermid، ليست سلسلة من الربيعات. هناك موت، خمول، حزن، وانتظار. هذه ليست عيوبًا بل شروط وجود. حين يُمحى الشتاء من وعينا، يُمحى حقنا في الحداد، في التعب، في اللاجدوى. يُطلب منا أن نكون دائمًا في حالة أداء. الشتاء، بوصفه زمنًا خارج المنطق الاقتصادي، يعيد للإنسان شرعيته في أن يكون ناقصًا، هشًا، ومتوقفًا. وهذا في ذاته فعل مقاومة.
غير أنّ السيطرة على الزمن والرغبة لا تكتمل إلا بالسيطرة على الذاكرة. هنا يدخل David Grann بملحمته The Wager، التي تحكي عن سفينة بريطانية غرقت، وعن الناجين الذين انقسموا إلى روايات متصارعة حول ما حدث. في الظاهر هي قصة بحرية، لكن في جوهرها هي دراسة عن السلطة حين تفقد احتكار السرد. الإمبراطورية لا تحكم بالسلاح فقط، بل بالقدرة على تحديد ما يُعتبر حقيقة. حين تتعدد الروايات، حين يصبح التاريخ موضع نزاع، تهتز الشرعية.
السفينة الغارقة تصبح مجازًا للإمبراطورية نفسها: نظام ضخم يفترض أنه متماسك، لكنه في لحظة الأزمة ينكشف كفضاء من المصالح المتعارضة، الأكاذيب، والعنف. من ينجو لا يملك فقط جسده، بل روايته. من يكتب القصة الأخيرة يحدد من كان بطلًا ومن كان خائنًا. هنا نفهم أن الذاكرة ليست أرشيفًا بل ساحة صراع. الرأسمالية الإمبريالية تحتاج تاريخًا منضبطًا، لأن أي شرخ في السرد يفتح الباب أمام مساءلة الحاضر.
وأخيرًا، تأتي Robin Wall Kimmerer في Braiding Sweetgrass لتضرب الجذر الأنطولوجي لكل ما سبق: العلاقة مع الطبيعة. ما تسميه الحداثة “بيئة” تسميه الشعوب الأصلية “قرابة”. هذا ليس فرقًا لغويًا بل كونيًا. حين تُرى الطبيعة كمورد، تصبح قابلة للاستخراج، التدمير، والتسعير. حين تُرى ككائن حي، كـ“قرابة”، يصبح الاستغلال جريمة أخلاقية لا عملية اقتصادية.
Kimmerer تبيّن كيف أن اللغة نفسها تحمل هذا الانقسام. الإنجليزية، لغة الرأسمالية، هي لغة الأشياء. كل ما ليس إنسانًا يُسمى “it”، شيء. هذه القواعد النحوية ليست بريئة؛ إنها تخلق عالمًا من موضوعات بلا كرامة. في المقابل، اللغات الأصلية تمنح الكائنات نحوية الحياة. الأشجار، المياه، والحجارة ليست أشياء بل ذوات. حين تتغير اللغة، يتغير العالم الممكن. الرأسمالية تحتاج لغة تجرّد الطبيعة من روحها كي تبيعها.
هكذا تتكامل هذه الكتب الخمسة في صورة واحدة: الزمن، الحب، الشتاء، الذاكرة، والطبيعة ليست موضوعات متفرقة، بل ساحات صراع. كل واحدة منها تمثل بعدًا من أبعاد الوجود الذي تحاول الرأسمالية إخضاعه. وحين تستعيد هذه الأبعاد عمقها، تنكشف هشاشة النظام الذي يحتاج إلى عالم مسطح، سريع، بلا روابط، بلا فصول، بلا ذاكرة، وبلا كائنات غير قابلة للبيع.
هذه الكتب لا تقدم برنامجًا سياسيًا، لكنها تفعل ما هو أعمق: تعيد لنا القدرة على الإحساس بأن هناك طرقًا أخرى للوجود. وفي عالم تُدار فيه الحياة كآلة، هذا الإحساس وحده كافٍ ليكون بداية مقاومة.


