بين العملاق أحمد زكي وأبو عمر (الأمير الوهمي): أكبر من كذبة وأعمق من صدفة
مقال تحليلي يربط بين فيلم «معالي الوزير» لأحمد زكي وقصة «الأمير الوهمي أبو عمر»، كاشفًا آليات صناعة السلطة الوهمية، وانهيار المعايير، وخفة النخب السياسية في العالم العربي، حيث يتحوّل الفراغ إلى أداة حكم، والوهم إلى شرعية.
كتب د محمد موسى في "اللواء":
بين فيلم «معالي الوزير» للراحل العبقري أحمد زكي وقصة «الأمير الوهمي أبو عمر» خيوط أعمق بكثير من المصادفة، خيوط تكشف آلية واحدة تعمل بهدوء وخفة، لكنها قادرة على إنتاج سلطة هشة، ونخب فارغة، ووعي عام قابل للخداع، في زمن يتقدّم فيه الوهم على الحقيقة، والفراغ على المعنى.
في «معالي الوزير» لا نكون أمام كوميديا سياسية عابرة، بل أمام تشريح قاسٍ لدولة تُدار بالصدفة، ونخب تُصنَع بالخطأ، وسلطة لا تسأل عن الكفاءة بقدر ما تبحث عن القابلية للتكيّف مع العبث. الوزير الذي يجسّده أحمد زكي لا يصل إلى موقعه نتيجة رؤية أو مشروع أو حتى طموح سياسي، بل نتيجة سلسلة أخطاء بيروقراطية ولا مبالاة عامة. ومع ذلك، ما إن يجلس على الكرسي حتى يتصرّف كما لو أنّ المنصب حق طبيعي، وكأنّ السلطة بحد ذاتها تمنح الشرعية والمعرفة والهيبة، حتى لمن لا يملك منها شيئاً.
هذه الفكرة بالذات هي الجسر الذي يصل الفيلم بقصة الأمير الوهمي أبو عمر. فالأمير الوهمي لا يولد من قوة حقيقية، بل من فراغ. من حاجة جماعية إلى رمز، ومن استعداد عام لتصديق أي خطاب طالما يملأ الصمت ويمنح إحساساً زائفاً بالمعنى. أبو عمر لا يحكم لأنه قادر، بل لأنه يُصدَّق، ولا يُتبع لأنه قوي، بل لأن المحيطين به أضعف من أن يسألوا أو يشكّكوا أو يطالبوا بالدليل. غير أنّ هذا الفراغ لم يكن عابراً أو محايداً. فهو فراغ وطني عميق، اتّخذ في مرحلة معيّنة بعداً سنّياً تحديداً، حين غاب المشروع، وتآكلت المرجعيات، وتحوّل الموقع من مساحة قيادة إلى مساحة انتظار. هذا الفراغ لم يُنتج أبو عمر صدفة، بل استدعاه. صنع له البيئة، ومنحه المنصّة، ووفّر له جمهوراً متعباً مستعداً للتصديق، لا حباً بالوهم بل هرباً من العدم. ففي لحظات الانكسار الكبرى، لا يصعد الأصلح، بل الأكثر قدرة على ملء الصمت، ولو بالكلام الفارغ.
هنا يتقاطع العملان عند نقطة جوهرية واحدة: خفة المتعاطين بالشأن العام. في الفيلم، الموظفون والمستشارون والإعلام، وحتى الشارع، يتعاملون مع الوزير الجديد بوصفه قدراً لا يُناقش. وفي قصة الأمير الوهمي، يتحوّل الوهم إلى حقيقة سياسية لأن أحداً لا يريد أن يكون أول من يقول إنّ الإمبراطور عارٍ. الخوف، المصلحة، والكسل الذهني، تتضافر جميعها لإنتاج واقع زائف يُدار بعقلية القطيع.
نواب الصدفة في «معالي الوزير» ليسوا شخصيات ثانوية، بل مرآة لثقافة سياسية كاملة، حيث يصبح الموقع النيابي وظيفة بلا مضمون، والتمثيل الشعبي إجراء شكلي، والمحاسبة ترفاً غير ضروري. والأمر نفسه نراه في محيط الأمير الوهمي، حيث تتحوّل الحاشية إلى مصنع تبرير دائم، وتصبح اللغة أداة لتجميل الفراغ لا لكشفه، ويغدو الخطاب بديلاً عن الفعل، والضجيج بديلاً عن الإنجاز.
الخسارة الحقيقية ليست في أبو عمر كشخص، ولا في أحمد زكي (الوزير) كوزير صدفة، بل في قابلية العالم العربي لأن يُنتج ألف أبو عمر، وألف معالي وزير، وألف سمسار ونصّاب سياسي، يعبثون بالوجدان العربي من المحيط إلى الخليج، طالما استمر الفراغ نفسه، وبقيت المعايير غائبة، والمحاسبة مؤجّلة. في هذه البيئة، يتحوّل السمسار إلى زعيم، والنصّاب إلى ممثّل شرعي، وتُختزل السياسة في سوق مفتوحة بلا ضوابط، يدفع المجتمع كلفتها كاملة.
اللافت أنّ العملين، رغم اختلاف الشكل والسياق، يقدّمان نقداً واحداً لا يبرّئ أحداً: المشكلة ليست في الحاكم وحده، بل في البيئة التي تسمح للوهم أن يحكم. الوزير العابر لم يكن ليصمد لولا جهاز إداري متكلّس، وإعلام انتهازي، ورأي عام مستعد للتصفيق. والأمير الوهمي لم يكن ليصبح أميراً لولا مجتمع مأزوم يبحث عن أي يقين، ولو كان زائفاً. نحن إذاً أمام زمن الوهم والفراغ، زمن تُستبدل فيه السياسة بالمسرح، والقرار بالصدفة، والشرعية بالصورة. زمن تُدار فيه الدول بعقلية التجربة والخطأ، وتُمنح فيه الألقاب كما تُمنح الجوائز في حفلات العلاقات العامة. وفي هذا الزمن، تصبح السلطة عبئاً لا مسؤولية، والمنصب واجهة لا وظيفة، لأنّها تُسند إلى من لا يفهم معناها ولا كلفتها.
«معالي الوزير» لم يكن فيلماً عن الماضي، كما أنّ قصة الأمير الوهمي ليست حكاية معزولة. كلاهما نصّان مفتوحان على الحاضر، وربما على المستقبل، يحذّران من أن أخطر أشكال الانهيار ليس انهيار المؤسسات، بل انهيار المعايير والقيم. وعندما تختفي المعايير والقيم، يصبح كل شيء ممكناً: وزير بالصدفة، أمير بالوهم، ونظام كامل يُدار بخفة، بينما يدفع المجتمع ثمن الفراغ كاملاً.
في النهاية، لا يسأل النصّان: كيف وصل هؤلاء إلى السلطة؟ بل يطرحان السؤال الأخطر: لماذا سمحنا نحن بوصول ونمو هكذا نماذج... الإجابة صعبة بعض الشيء.


