قرقوش: رجل الأطراف… حين تصنع الهوامش تاريخ الإمبراطوريات

قراءة تحليلية معمّقة لشخصية شرف الدين قرقوش ودوره الخفي في السياسة الأيوبية وصراعات المغرب والمشرق في العصور الوسطى الإسلامية، بوصفه نموذجًا مبكرًا لسياسة الوكلاء والحكم بلا دولة، وتأثير الأطراف والهوامش في تشكيل التاريخ الإمبراطوري.

فبراير 3, 2026 - 12:17
 0
قرقوش: رجل الأطراف… حين تصنع الهوامش تاريخ الإمبراطوريات

 كتب باسم الموسوي:

في تاريخ العصور الوسطى الإسلامية، لا يصنع الحدث دائمًا أولئك الذين تُخلَّد أسماؤهم في الملاحم والخطب، بل كثيرًا ما يتشكّل التاريخ على أيدي شخصياتٍ تعمل في الظل، على التخوم، في مناطق لا تُعدّ مركزًا ولا تُعتبر هامشًا خالصًا. شرف الدين قرقوش هو أحد هؤلاء. ليس خليفة، ولا سلطانًا، ولا صاحب دعوة عقدية، لكنه كان—لفترة قصيرة وحاسمة—العقدة التي التقت عندها مصالح المشرق والمغرب، وصراعات الشرعية، وحدود القوة في عالمٍ إسلاميٍ كان يعاد تشكيله.


قرقوش لم يكن ظاهرةً عرضية ولا مغامرًا منفلتًا كما صوّرته بعض المصادر المتأخرة، بل كان نتاجًا سياسيًا خالصًا للحظة أيوبية دقيقة. عبدٌ مملوك سابق، ثم قائد عسكري، ثم حاكم فعلي لفضاء واسع يمتد من برقة إلى إفريقية، دون أن يحمل لقبًا سياديًا واضحًا، ودون أن يُنشئ دولة بالمعنى المؤسسي. ومع ذلك، فإن حضوره يكشف بعمق عن كيفية إدارة الإمبراطوريات غير المركزية، وكيف تُستثمر الأطراف لتعديل ميزان القوى دون خوض حروب كبرى.


من القاهرة إلى الصحراء: ولادة وظيفة سياسية
برز قرقوش في سياق صعود صلاح الدين الأيوبي، حين كانت الدولة الأيوبية تعيد ترتيب المجال الذي ورثته عن الفاطميين. كان الهمّ الأيوبي الأول تثبيت السيطرة على مصر والشام، ومواجهة الصليبيين، لكن هذا لم يكن ممكنًا دون تحصين الجبهة الغربية. فالمغرب لم يكن بعيدًا جغرافيًا فقط، بل كان فضاءً سياسيًا منافسًا، تهيمن عليه الدولة الموحدية التي حملت مشروعًا عقديًا–سياديًا مختلفًا.


في هذا السياق، لم يُرسل صلاح الدين جيوشًا نظامية إلى إفريقية، ولم يعلن حربًا مفتوحة على الموحدين، بل لجأ إلى سياسة التفويض. وهنا يظهر قرقوش بوصفه الأداة المثالية: قائد بلا قاعدة اجتماعية محلية، بلا شرعية مستقلة، وبلا طموح معلن لتأسيس سلالة. أي أنه قابل للاستخدام، وقابل للتخلّي عنه.


انطلق قرقوش من مصر نحو برقة، ثم طرابلس، ثم الواحات الليبية، قبل أن يدخل إفريقية. هذا المسار ليس تفصيلاً جغرافيًا، بل يعكس منطق السياسة الأيوبية: السيطرة أولًا على مفاصل الصحراء، على طرق التجارة العابرة للصحراء، على الواحات التي تُغذّي المدن، وعلى المناطق التي لا تستطيع الدولة الموحدية ضبطها بسهولة. قرقوش كان يتحرك حيث لا تصل الدولة المركزية.


حكم بلا دولة
حين سيطر قرقوش على أجزاء واسعة من إفريقية، لم يُنشئ مؤسسات، ولم يفرض نموذج حكم مستقرًا. كان حكمه عسكريًا وظيفيًا: حاميات، تحالفات قبلية، سيطرة على المدن دون إدماجها. لم يكن يسعى إلى “بناء” شيء، بل إلى إبقاء الفضاء في حالة سيولة سياسية.


وهنا تكمن أهميته: قرقوش لم يكن مشروعًا بحد ذاته، بل كان أداة تعطيل. وجوده منع الموحدين من ترسيخ سيادتهم شرقًا، وأجبرهم على خوض حروب استنزاف طويلة، وخلق فراغًا سياسيًا استثمرته قوى أخرى لاحقًا، وعلى رأسها الحفصيون.


لكن هذا الحكم الهشّ كان يحمل في داخله بذور انهياره. فالحكم الذي يقوم على القوة وحدها، دون عقد اجتماعي أو شرعية دينية أو نسب سياسي، يبقى معلقًا في الهواء. ولذلك، سرعان ما دخل قرقوش في صراعات مع حلفائه أنفسهم.


التحالف الهشّ مع بني غانية
بلغ دور قرقوش ذروته حين تحالف مع بني غانية، الورثة المرابطيين المنفيين في جزر البليار. كان التحالف منطقيًا: الطرفان يعاديان الموحدين، والطرفان يعملان من خارج المركز، والطرفان يفتقران إلى الشرعية الجامعة. لكنه كان أيضًا تحالفًا هشًا، لأن كليهما يمثل مشروعًا نقيضًا للآخر.
قرقوش كان أداة أيوبيّة ذات أفق محدود، بينما كان بنو غانية يحملون حلمًا واضحًا بإحياء الدولة المرابطية. وحين تعارضت المصالح، تفكك التحالف، بل تحوّل إلى صراع مباشر انتهى بهزيمة قرقوش وانسحابه إلى الصحراء.


هذه اللحظة كاشفة: الأطراف حين تلتقي لا تؤسس بالضرورة وحدة، بل كثيرًا ما تتصادم لأنها بلا مركز ضابط. الصحراء التي منحت قرقوش القوة، هي نفسها التي عزلته.


النهاية: حين تبتلع الهوامش أبناءها
انتهت مسيرة قرقوش نهايةً قاسية. بعد سنوات من التنقل والكرّ والفرّ، حاصره بنو غانية في واحة ودّان، وقُتل هناك. لم يُرثَ، ولم يُخلّد، بل تحوّل في بعض الروايات الشعبية إلى رمز للفوضى وسوء الحكم. لكن هذه الصورة الأخلاقية تُخفي الحقيقة السياسية: قرقوش لم يفشل لأنه كان عاجزًا، بل لأنه أُوكلت إليه وظيفة مؤقتة وانتهى دورها.


لم يكن مطلوبًا منه أن ينتصر نهائيًا، بل أن يعطّل، أن يربك، أن يفتح الجبهة، وأن يمنح المركز الأيوبي وقتًا ومساحة. وحين انتهت هذه الوظيفة، لم يعد له مكان في التاريخ الرسمي.


قرقوش بوصفه مفتاحًا لفهم السياسة الإمبراطورية
تكمن أهمية قرقوش اليوم لا في شخصه، بل في ما يكشفه عن منطق السلطة في العالم الإسلامي الوسيط. فهو يُظهر أن الإمبراطوريات لا تُدار دائمًا عبر العواصم والجيوش النظامية، بل عبر رجال الأطراف، أولئك الذين يتحركون في المساحات الرمادية بين الدولة واللادولة.


قرقوش هو تجسيد مبكر لما يمكن تسميته سياسة الوكلاء: نفوذ بلا سيادة، قوة بلا اعتراف، حكم بلا دولة. وهو بهذا المعنى ليس شخصية من الماضي فقط، بل نموذجٌ يتكرر بأشكال مختلفة في التاريخ القديم والحديث.


لقد كان قرقوش رجل لحظة، لكنه كان أيضًا مرآة لعصرٍ كامل، عصرٍ كانت فيه الخريطة السياسية للمغرب والمشرق تُرسم لا في القصور وحدها، بل في الواحات، وعلى طرق القوافل، وفي تحالفاتٍ هشة لا تعيش طويلًا… لكنها تغيّر التاريخ.